Friday, October 5, 2012

الوردة أو الحديقة


عادةً لا أتناول طول يومي أية وجبة ، لكنني آكل بإسلوب النقنقة ،  وكأنني أُدخل معدتي لقيمات بين الفينة والأخرى ، دون أن أحدث ضجة في معدتي ، ففي معدتي تنّين لا أريده أن يجوع فيستيقض من نومه فحين يجوع ، يخرج رأسه من فمي ثم ينفخ ناره فيحرق الطعام الذي أمامي - بالطبع ، أنا لست متهم بما هو يأكل فهو المتسبب - ، و حين يأتي المساء أرمي لهذا التنين مكافأته( وجبة العشاء) و هي أيضاً مكافأة صبري وحسن إدارتي لإطعام هذا التنين والعناية به ، لكني قبل أيام ، عدت إلى منزلي بعد يوم شاق ، أرهقني التعب و غلبني الجوع وتوقفت حركتي حين ارتميت على كرسي مائدتي ، هناك جلست وقد خفضت رأسي من شدة التعب ، ثم رفعته لأرمق صحناً من الخضار المقشّر و سلطة بالزيت والخل  و قدرٌ من حساءٍ ساخن  ، وبلا شعور تجاوزتهم ومددت يدي إلى طبق الدجاج لآكله على طريقة العصر الحجري ، فعقلي الذي قد علمته أن يبدأ بالسلطة قد أطفئته غريزة الجوع ، واستلم زمامه التنين الغضبان ، وبعد أن رميت له هذه القطعة ، توقّف عن نفخ ناره وعدت استلمت دفة القيادة ، فسكبت بعضا من السلطة لأكمل  بها و رفعت رأسي ، ووجدت أبنائي لم يبدؤوا بعد ، فقلت بديكتاتورية : لا تتحولوا عن السلطة وصحن الخضار حتى أأذن لكم  ، و بدافع إرضائي أولأنهم لاحضوا إرهاقي لم يحاولوا  المخالفة ، وحينما رأيتهم يأكلون  قلت لهم لأغير أجواء الجدية ، هل تذكرون قبل سنين ؟ ، لقد كنتم تأكلونه وتشعرون بطعم القاذورات بافواهكم ، فضحكوا ، واليوم أنتم تأكلون السلطة وتقولون أنها ليست كريهة ، هزّ أبنائي رأسهم وقالوا نعم ، فقلت سيأتي يوم ستتلذذون بها ، لن نسمح بعقولنا أن تسيطر علينا,  نحن من يسيطر عليها.
 واليوم وأنا أكتب مقالي عرفت ما قد ألهمني هذه العبارة ، فقد مررت سابقاً على إحدى الدراسات اللتي تبحث في منطقة دماعية اسمها "Relax Zone " أو مكان الراحة  وهذه المنطقة هي مركز موجود في الدماغ ،  تقول الدراسة إنه بمراقبة تصرفات عدد من الأشخاص وتحديد الدوافع لأفعالهم ، تبيّن أن ٩٥٪ من تصرفاتهم يمكن ربطها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في هذه المنطقة ، فهؤلاء الأشخاص قد اختلفت مناطق الراحة لديهم وكلٌ منهم يحرص أن يذهب لما يحبه، فهذا يحب الصيد وذلك يحب رفقة الأصحاب والضحك ، وذلك يشرب الخمر وذلك مدمنٌ للأسفار  ، ووجدت الدراسة أن تصرفاتهم أما أن تكون ترتيباً مباشراً ليكونوا في منطقة راحتهم في المستقبل ، أو أنهم يرفعون العوائق اللتي تمنعهم من الوصول إليها ، مثل جمع المال لها ، والقيام بالمسؤوليات اللتي على عاتقهم ليشعروا براحة البال ، إن كانوا ضمن هذه المنطقة ، وفقط ٥٪ من تصرفاتهم لا يمكن ربطها بمنطقة الراحة ، والمقصد من ذكرها هو أننا يوماً ما  قد حددنا مناطق الراحة لدينا ، لكن هذه المنطقة ستحدد ما نفعله طوال أعمارنا وتصرفاتنا ، فهل نقبل أن تسيطر علينا عقولنا ونحاول أن نبقى نكرر متعة نحن خلقناها لأنفسنا ، أم نتدخّل لنغيرها ؟
وقبل أيام علمت بدراسة أخرى حول " علم النفس في تغيير السلوك " أظهرت الدراسة أن فارق بسيط قد يحوّل الإنسان من سمين إلى نحيف  ، وهذا الفارق هو الحزم في التعامل مع الأفكار والنفس ، حيث  أن من يتناول  كميات أكبر هو الشخص الذي  يقول لنفسه دائماً "هذه آخر لقمة "، بينما الآخر يقول في نفسه " لقد إنتهيت ، سأتوقّف " ، كما تبيّن أن الحزم في التوقّف عن الطعام يساعدنا أن تكون إرادتنا أقوى بينما من يتساهل تضعف إرادته فيتساهل أكثر وهذا ينطبق على من يدمنون الجنس والخمر والمخدّرات .
لكن الموازنة بين ما يمتعنا وبين ما ينفعنا أمر محيّر ومعقد ، فالمتع لن ترفعنا في سلم البشرية ، بل هي كفيلة  بتحويلنا إلى  حيوانات بشريّة ، تكرر غرائزها و محصلة حياة الكثير من البشر ستتحول الى  تكرار لمتع يحبّها ، وإذا ما حسبنا ماذا ستضيف هذه المتع لنا ولقيمتنا ومستقبلنا ، ولا أعلم أحد رفعته متعٌ كان يفعلها ، بل هو العلم والأخلاق ، ومثل من يبقى مع ما يمتعه ويكرره بلا شعور ،  كمثل شخصٍ أعطي كوبون مجاني للتسوّق ينتهي بنهاية يومٍ معين - وهذه هي أعمارنا - وبقي في  السوق  يتسوّق  ( متعنا ) حتى طرد من السوق  ولم يحاسب ( دفع الحساب هو ما ينفعنا )  فبماذا سيخرج منه ؟ أو كمثل شخصٍ دفع رسوم الدخول لحديقة بها نهر وحيوانات أليفة  ومروج ،فأعجبته زهرة عند الباب فانخفض يشتمّها ، وبقي على بطنه حتى أغلقت ولم يحضى بما تبقى منها فالحياة بها الكثير من المتع لن نعلمها أن لم نبحث عنها ونتعلمها 
-------------------------------------------
 (  لاأدعو هنا لهجر المتع فهي ضمان استمرارنا أحياء وتبقى الحياة جميلة في عيوننا ولكنها دعوة للموازنة بين ما يمتع  وبين ما ينفع ، أو هي دعوة لاستبدال بعض متع اليوم مع متع ستمتعنا بالغد لكنّها لاتمتع اليوم   )

Friday, September 14, 2012

فراشاتنا المضيئة



قبل أكثر من ٤٠ سنة , وفي بيتا المتواضع  نشأت دون أن أجد ترفيه يقارن بترفيه اليوم ، ولأن والدي - أطال الله في عمره -  يؤمن أن النعم لا تدوم ,  وحين نكثر عليه الطلبات ، كان يقول لنا " إخشوشنوا" وكان يرى كثير من كماليات الحياة آن ذاك ليست ضرورية  ، و حين أصبحت رجلاً  ، مشيت في ممرّ سوق حيّنا، وحين رفعت رأسي أبحث عن شيئ من الحلويات أستبدل به نقودي ، لم أرى سوى أرفف خاوية ، وكأني أراها الآن أمامي  ، ممرٌ طويل خالي سوى من  كرتون الباذنجان البصراوي ، ولا أزال أتسائل لم رفعوه عالياً رغم أن أسفله خالي ، و بالرغم من قلة الطعام آن ذاك لم يرغب أحد بشرائه ، فحينها كنّا في غزو غاشم  لبلدي الحبيب ، وبعد شهور من الخوشنة علمت صدق نبيّنا صلى الله عليه وسلم وصدق أبي معه ، وأيقنت أن النعم زوّالة ، فلم يعد هناك الكثير من خيرات هذا البلد ، لكننى قد  بقيت حياً دون الحصول على كمالياتي ومنها الشيكولا ، وعلمت بعدها  أن الحياة بلا ترفيه وكماليّات ليست قبيحة كما كنت أتصوّر ، لكنّ المحزن في حينه أنني كلما حاولت الحصول على قطعة من الشيكولا الأجنبية بائت محاولاتي بالفشل ، وفي ظل الأيام العصيبة تلك ، بعيداً عن الأمن و بعيداً عن الشيكولا ، فتحت خزانةً في دارنا ، فوجدت ما أبحث عنه  بعيدًا ، وجدته بالقرب من حجرة نومي ، وحين فتحتها  تلألأت كراتين الشيكولا الفاخرة  ، وأتاني شعور وكأنني قد تهت في الصحراء وقبل أن يقتلني حرّ الشمس والجوع العطش وجدت  مصباح علاء الدين لأطلب منه القصر والجواري ، وحين سألت عن مصدره ، عرفت أن نسيبنا - جزاه الله كل خير -  قد جمعهم و غادر مشكوراً دون أن يخبرنا بهم  .
وبعدها ،  جََزَرَتْ المصائب ، و أتانا مدُّ الرخاء ، وما بقي من الخوشنة سوى القليل ، فركبت الطائرة لأرى ما فاتني من بقاع الدنيا وأنظّف بقايا رواسب الخوشنة ، وفي إحدى زياراتي لماليزيا ، ذهبت لأرى حديقة الفراشات المضيئة ، ويالها من زيارة ، إنه نهرٌ يشبه المستنقع ، تجولنا  في أنحائه بقاربٍ ضيق وفي جوًّ رطب نهشنا فيه الناموس نهشاً وكأنه لا يريد أن نستمتع برؤيا هذه الفراشات المضيئة ، وفي الظلام الدامس ، تزيّن النّهر بأضواء الفراشات ، كما تتزين شجرة عيد الميلاد ، وسحرنا بسحر الطبيعة ، فهذه مخلوقات مضيئة  تتطاير وتتحرّك ، وتملأ هذا النهر ضوءاً ، هنا تجدها متجمعة ، وهناك تراها متفرّقة ، وهذه تقف بجانبك ، وتلك تتوهّج ثم تخنس ، وحين قرأت عنهم عرفت أنّهم ينقرضون  ويتناقصون، لا لشيئ سوى التّلوّث الضوئي ، وذلك بسبب المدنيّة ، فهناك الكثير من أضواء المدينة في الليل مما يجعل حياتهم صعبة . 
واليوم وبعد مرور الكثير من  السنوات السمان ، أتذكّر الأيام والليالي العجاف في ردهات أسواقنا ، وكلما نظرت إلى فتياتنا وشبابنا أولاد السنين السمان ، أراهم قد لوّنتهم الأموال ، وزينهم الثراء ، وحملتهم العافية ، أسأل نفسي هل من الممكن أن يروا صندوق الباذنجان البصراوي  ؟هل من الممكن أن تزول النّعم ؟  هل قال لهم أبوهم "إخشوشنوا"؟ ، هل حكى لهم آبائهم عن الخوف والقتل والذل والجوع الذي قد عشناه ؟ هل أدركوا تقلّب الحياة ؟ وظللت حائراً في أسئلة عجزت عن الإجابة عليها ، فالحياة اللتي يعيشونها أرجوا أن تدوم ، لكن سنة الحياة التّغيير ، ولودامت لغيرنا ما اتصلت إلينا ، وعدت وسألت نفسي هل  سيقفون في المطابخ وتبقى أفنيتنا نظيفة إن عُدمنا الخدم ؟  أم سيكونون مثل فراشةٍ مضيئة أدركها الصباح ؟

عبدالله عبداللطيف الابراهيم
@boslaeh


Friday, August 10, 2012

سقيا الروح*



* مقال أدبي يحوي وسائل علمية وعملية للتلذذ و التغني بالقرآن.

فنُّ الحديث يحوّل الاستماع الممل الى متعة حقيقية ، وحين يروي بعض المتحدّثين أحداث حياتهم اليومية  ، يشدنا حديثهم فنصغي إلى أدق التفاصيل ، بينما يفشل البعض الآخر في الإحتفاظ باهتمامنا لدقائق ، فقدراتهم القصصية عالية ، إنهم يحبكون أحداثهم بمهارة  و يسردون تفاصيل تناسب من يجالسونهم ويهمّشون بعضها الآخر ، لكنك قد تتفاجأ بنسيجٍ آخر إن استمعت لها مرة أخرى ، وحين يقاطعهم المستمعون و تأتي التعليقات يفسحون لنا مجالاً للمشاركة ، لنعبّر عن آرائنا ويشاطروننا رأيهم، لكنهم يجيدون المداخلة والإمساك بزمام الحديث بانسيابية فائقة ، وبينما تحدثنا شفاههم وألسنتهم ، تتحرك أيديهم لتصوّر بعض الأحداث ،و تراقبنا أعينهم ، لتلحظ علامات الملل على وجوهنا ، فإن وجدوها تسارعت أحداث قصتهم ، وإن لم يجدوها أبطؤوا ليحظوا بآذاننا فترة أطول ، ولعلهم يمزجون الأحداث بنكهة الفكاهة ولعلّهم يقفزون على مشاعر السامعين ليمتطوا صهوة حصان التشويق التي طالما أطعمه السامعون من لذيذ مديحهم وسقوه من سائغ استحسانهم  .
 لكنها تبقى فنون بشرية ، فكيف بحديث ربّ البشر  ، حديث من خلق لنا الألسن ، ورسم لنا الشفاه وصور لنا الآذان  ، فهو من خلق الإنسان وعلّمه البيان ، فخطابه أطيب خطاب و كلامه خير كلام  و قصصه أحسن القصص ، لكننا (نخطئ) فنعجز أن نتدبّر حين نسمع كلام من خلقنا كما نسمع كلام من خالطنا ، فكلام الرحمن  يستقبل بالإيمان وبعدها نتأمل كيف لنا أن نغرف من فيض المنّان ، أما كلام البشر فيناقش ويتحقق منه ويدقق لكننا قد نفعل ذلك مع القرآن ، فتضيع متعة القرآن ، فنحن لا نحتاج أن نفهم كل علوم هذا الكتاب لنتدبّره ونأنس به  - وإن كان التعلم مهم - لكن الإيمان به يكفينا ، ويكفينا أن نعلم من هو قائله ونعلم أنه يخاطبنا ونعلم أن هناك شيئ مشترك بيننا وبينه فقائله وخالقنا واحد  .
 حين نسكب القرآن على عطش أرواحنا ، ستشرق شمسه في صبيحة يوم تدبّرنا، حينها سنجد ثمرة الأنس تنبت في قلوبنا ، إنه أنسٌ  يجمع الأرواح لا الأجساد  بالقرآن  ، فحين يزور آذاننا هذا الضيف الكريم ، فلنسكنه في أوسع  دار من دور قلوبنا ، و لنلقاه بالمحبة فهو رسالة من شقائنا تنجينا ،  ولنكرمه بالتعظيم ، فهو من ملك عظيم ، ونفرش له بساط المحبة ، وبعد أن نكرمه ستلتقي أرواحنا به ، وسيجتمعان فكلاهما من الله ،و في أجمل لقاء  ، سنشعر بجمال الأنس ، وروعة اللقاء ، ستفيض عيوننا بالعبَرات ، و تتجمّد عروقنا من عظمة الآيات وذلك حين تهزّنا آيات العذاب ، لكنها تنساب ، في عبق الرحمات ، وفي وسط زوبعة المشاعر القرآنية من خوف  ورجاء وحب و شوق ،،،  تولد المتعة الكاملة  ، ترفعنا من آدميتنا قليلاً  وتنسينا طيننا  ، فحين نعجز أن نزيد دقيقة واحدة متع أجسادنا ، سيسعد المُوَفّقون في استمرار متعة أرواحهم ساعات  ،  فنعلم أن للروح متعة ويالها من متعة ، ونعلم أن للفضيلة زهاء ونقاء ، أجمل من الثراء ونعلم حينها بركة القرآن فهو طريقنا الوحيد الى الجنان ، فمالنا لا نرى وروده ، ومتعة السير فيه.
يقول البروفيسور جفري لانق- الرياضيات - في كتابه حتى الملائكة تسأل " أنه كان ملحد وأسلم وذلك حين قرأ القرآن - مفسّراً - ورأى دلالات واضحة على صدق هذا الكتاب ، فالمتكلّم ( الله سبحانه ) قد خلا من الزمان والمكان ، ولأن البشر بطبيعتهم مرتبطين بزمان أحداث حياتهم وأماكنها ، فنقول في يوم كذا حدث كذا ، فيقول حين أسلمت حرصت أصلي الفجر والمغرب والعشاء ، في مسجد بعيد عن بيتي  ، فرق قلب إمام المسجد فقال لي :  إن جيران المسجد ، لم يأتوا ، لم لا تصلي ببيتك فأنت بعيد جداً عنّا، كما أنك لا تفهم العربية ، فمكثت أصلي  ، وحين سألني الإمام قلت : هل يفهم الرضيع غناء أمه  فقال : لا ، فقلت له : أنا لا أفهم كلام ربي ، ولكنني أطمئن له  كما يفعل الرضيع حين يسمع صوت أمه " 

"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" 

عبدالله عبداللطيف الابراهيم


Saturday, July 28, 2012

أضئ قلبك


للتحية نرفع يدنا أو نمدّها للمصافحة , لكننا حين نرفعهما عاليتين ، فهذا إعلامٌ لنا بالحضور بين يدي  «عالِمُ الغيب والشهادة الكبير المتعال» ورفع كلتا اليدين في وقتٍ واحد هو إشعارٌ لنا برمي همومنا والامنا وآمالنا  خلف ظهورنا لنقبل على الصلاة بقلب لا تشغله الهموم ثم نضمهما تحت الصدر لنظهر إنضباطنا في حضرته ، لينضبط معهما قلبنا و يطمئن بهذا اللقاء العجيب.
  حين نستهل الصلاة بقولنا " الحمد لله رب العالمين"  نفتتح هذا اللقاء  بالحمد ، رغم أن شكره باللسان محمود ، إلا أن تعداد النّعم بالقلب هو الأفضل ، فمنته كبيره ، وفضله عظيم ، وكرمه فيّاض فلا حمد يجازي نعمه ولا شكرٌ يردّ له فضله ، ولاثناء يليق بقدره ، فكم من ضالِّ عبد صنماً أو بقره ، وكم صوّامٍ قوّامٍ ، معتكف في كنيسته ، لكنه ضال ، فينسب لربه الولد  ، ثم  يصلي لربه كما هو يظن وليس كما أمر ربه ، محرومٌ من جنة الدنيا و محرومٌ من جنة الاخرة ولذا نقول " اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" ، فحين نستذكر النعم لا ننسى نعمته بأن دلّنا على طريق رضاه " بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان " "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " والمسكين من لايعرف العدّ.
لكن لقاء المخلوق بالخالق يتوجب تكريماً خاص ، وتعظيماً خاص ، واعلانٌ بالاستسلام و الانقياد ، ولأجل ذلك  فكل التحايا لن تناسب اجتماعنا بمن نفخ في هذا الجسد من روحه ، ولولا أن هدانا لما عرفنا الركوع والسجود ، فينحني ظهرنا منحنيا له ، و نضع جباهنا التي كنّا نرفعها عالية لنضعها على أرضه وملكه وبحضرته، لكن الغريب في تلك السجدات أنها ترفعنا لا تخفضنا ويشعر العبد في أعلي مقامات العبودية ، أننا ننخفض إنخفاض العاجز ، ونرضخ رضوخ الضعيف ونهون هوان المحتاج ، لكن كل ذالك الذل بحضرة الرب ينقلب الى ضياء يملأ قلبه  ، فيغمرنا جمال القرب  و يأنسنا  حديث مع الرّب و متعة المناجاة " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"( صحيح ) ولأنه ليس لله من كفؤ فالجميع سينحني له ، ومن لا ينحني سيعذّب "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب".

كباقي العبيد ، نسكن  معمورة المعبود  ( اضغط الرابط إن أحببت ) و لكننا وإن كنّا وحدنا في السجود ، إلا أننا نسبِّحُ مع الخلائق ونحمد مع الخلائق "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ   وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "  ، وفي وقوفنا للصلاة نستشعر أصطفافنا مع الملائكة ،  قَالَ  رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ ، وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ , أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ( أطّت : ثقلت وصار لها أطيط أي صرير )  ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ  وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" حسنه الالباني
"قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ" وفي ثناء الله على المؤمنين ، بدأ سبحانه  بالخشوع كأهم صفة ، وأما الآية "وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" فقد جائت بالاهمية السادسة من سورة المؤمنون  دلالة على أن معنى الصلاة السامي هو الخشوع  ، فالخشوع هو درّة تاج الصلاة ، ومقصدها، والخشوع هو  بتحريك القلب ، وليس بتحريك الجسد ، و هو إحساس واستشعار وإنغماس في العبودية في حضرة المعبود ، هوخفقان القلب بالامتنان ، وانقطاعٌ  عن المشاغل ، فالشاغل أعظم ، إن الصلاة إتصال للروح بخالقها و إياب الروح إلى نافخ الروح  ،  فكم من مصلي يقول بلسانه " الحمد لله رب العالمين" لكن قلبه يقول كيف سيحمدني ربي أن وقفت لأصلي له ، وكم من مصلي يقول بلسانه إهدنا الصراط المستقيم وقلبه لا يسأل الله الاإن يهديه الى ما يملأ جيبه .
 و بتكرار الصلاة  يضاء القلب ،  فهو لقاء يجمعنا بالنور " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ" ويقول " يهدي الله لنوره من يشاء" وإذا أردنا أن تضاء قلوبنا من نور الله لنقرأ الاية الي تليها مباشرة "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ "


عبدالله عبداللطيف الابراهيم

Thursday, July 26, 2012

مكتب التحقيق في الحسد


مكتب التحقيق في الحسد 

تفضل اجلس ، أنت تسأل : من؟ ، المحقق يجيب  : نعم أنت فأنا أريد أن أتحقق من حجم الحسد في قلبك ، تفضل اجلس ، مالك لا تجلس ، المحقق يكلمك وأنت تتجاهله : لِمَ تشك أنني أكلم غيرك ؟  نعم أنت ، أنت أنت لا أحد غيرك  ، نعم أنت قارئ هذه السطور ، حين تقرأ عنوان هذا المكتب  " مكتب التحقيق في الحسد" وتدخل ، تتحوّل تلقائياً الى مشتبه به ،اممممم ( أنت تفكر ) و لم دخلت إذن ؟ لم لا تجيب ؟ ( المحقق يسألك ) سأمهلك دقائق لتخرج من مكتبي أو سأبدأ التحقيق :  ٣  ، ٢  ارفع نظرك وغادر عني أو انظر لمقالة  أخرى الآن قبل أن أبدأ التحقيق معك الآن ، ١..  أنت متهم بوجود حسد في قلبك !  أنت : أنا لا أحسد أحداً ، المحقق : كلكم تقولون ذلك عند دخول مكتبي ، أنت :  لكنني أكره الحسد ، المحقق : ارفع رأسك واقرأ قانون الحسد الوحيد المعلّق في هذا المكتب "ما خلا جسد من حسد ، لكن الكريم يخفيه ، واللئيم يبديه " ، كيف وأنا أكره الحاسدين وكل صاحب قلب أسود ( أنت تجيب ) ، المحقق: هذه طبيعته الحسد لولا وجود مكتبنا مفتشاً عنه لاختفى ولأنكره  الجميع  ، فالكل يخفيه مع أنه لا يخلو قلب بشر منه ! ، هيا قل لي :ماهو آخر أمرٍ حسدت به غيرك ، أنت : أنا لا أحسد! ، المحقق : لا أدري لم الناس لا تجعل الأمور بسيطه وتعترف ! ، ماهو دينك ( المحقق يسأل ) : الإسلام ( أنت تجيب ) ، المحقق: أحضروا القرآن الكريم ، ضع يديك عليه ، ( تضع يديك عليه بلا خوف ) المحقق : قل خلفي : أقسم بالله العظيم ، أنت : أقسم بالله العظيم ، المحقق : أن أُعمى بكل كذبة أكذبها هنا سنة ثم يعود لي نظري ، أنت : لا ، السنة كثير وأخاف أن أخطئ ( جلَّ من لا يسهو ) ، المحقق حسناً بكل كذبة شهر ثم يعود لي نظري  ، أنت: حسناً أُقسم ،،،، 
المحقق : هل عندك أخوان لتحسدهم ؟
أنت : هل جننت ؟ وهل يحسد المرء أخيه ؟ حححح حححح آسف على اللفظ ،، بكل تأكيد إختيار اللفظ غير موفق (ثم أنت مبتسماً )
المحقق : لابأس  ، أقسم أنه لا يوجد من يحسد إخوانه ؟
أنت ( متذكراً العمى ): أنا لا أحسد إخواني .
المحقق : هل تعلم من الذي قد حسد نبي الله يوسف ؟
أنت ( ممازحاً) : هل تريد أن تحقق معه أيضاً ؟  إنه نبي !
المحقق ( مبتسماً ) :لا ، إنما أريد أن أذكرك بأن الحسد يكون بين المتنافسين ولو كان جارك او شخص يضاهيك وينافسك ، ولا أشد من منافسة الأخوة .
المحقق: هل حقق نجاحًا أحد أخوانك يوما ما ؟
أنت :نعم 
المحقق : هل أثنيت على نجاحه ؟
أنت : نعم ، لقد باركت له .
المحقق : هل شعرت بسعادة غامرة حين نجح ؟
أنت : نعم ، فأنا أتمنى له الخير من كل قلبي .
المحقق : مع من تتنافس في العمل  ؟
أنت: كثير
المحقق : هل حقق أحد منافسيك نجاح وتفوق؟
أنت : نعم ، وباركت لهم .
المحقق : هل داهمك شعور بالإنزعاج حين تفوقوا وتأخرت أنت عن تفوِّقهم ؟
أنت : لقد انزعجت لأنني لم أفعل ما فعلوه ، ولكنني فرحت لهم .
المحقق : هل تمنيت لهم أن لا يحققوا نجاحهم 
أنت : ( متذكر القسم ) لا أذكر .
المحقق : هل شعرت بأنك غير مرتاح لنجاحهم 
أنت : لا أذكر .
المحقق : ( يغضب ) أجب الآن ، هل شعرت بعدم  الراحة لرزقٍ رزقه الله غيرك سواء كان نجاح أو مال أو ترقية أو شهرة أو بيت أو زوجة ،،،،
أنت : أريد الحمام 
المحقق : أخرج ولا تعد مكتبنا ،،، وتذكّر ، سأراقبك من اليوم   
ثم يتمتم قائلاً : كلكم هكذا ، ثم يرن الهاتف فيجيب ، نعم أنا المحقق زيد ، يصمت يستمع طويلا ، ثم يقول ، ولم أنا بالذات أُنقل من هذا المكتب ، ولم زميلي المحقق عبيد يتمتع في هذا المكان منذ خمس سنين ، تنتهي المكالمة ثم يقفل الهاتف.
أنت : أليس هذا بحسد ؟
المحقق: يخفض رأسه ، أستغفر الله ،أستغفر الله ،أستغفر الله ، اللهم إني أسألك لعبيد كل الخير ، اللهم وفقه ، وارحمه وبارك له في ماله وأهله وولده ،،، نعم لقد حسدته ، وهذا هو العلاج.

عبدالله عبداللطيف  الابراهيم 

Wednesday, July 25, 2012

قصة التّكبّر




في أكرم المجالس ، يقترب الأكارم من أكرم الأكرمين ، وهناك يختلف التكريم ، فلا يُؤذن بالحضور لمن جَمّل هيأته ، أو حسنت صورته  ، وإنما لمن صلحت سريرته و استقامت أفعاله ، فقربه من ربه أعظم المكافآت .
ورغم أن هذا هو الأصل ، إلا أن إبليس الخسيس قد أُذِن له  بالحضور ، رغم فساد في سريرته ، لكن حكمة الحكيم ، أرادت له الحضور ، فرغم فرحته بالإقتراب وشعوره بالتكريم ، إلا أن التكريم لم ولن يكون له! فقد كان لنا حيث أُمر الحاضرون بالسجود لمخلوق جديد خلقه الله سبحانه بيده ، وأُمر كل الحضور بالسجود له  ، لكن إبليس إستحقرنا ولربما نظر إلى خِلقَتِنا كما ننظر نحن اليوم الى الدواب فهو مخلوقٌ من النار ، ضخم البنية ، عزيزٌ في قومه ، فكيف ينخفض لنا !
ولهذا السبب دعي الخسيس الذي أبطن الشر ، وأظهر الطاعه فكشف الله معاداته لنا لسبب بسيط لأننا و الشياطين سنتقاسم العيش على هذه الكرة ، وهم يرونا ونحن لا نراهم ، فلابد أن نعلم شرهم لنتقي كيدهم.
خالف إبليس أمراً واضحاً من الجبّار بالسجود ، فخاطبه ربه مستفسرا عن امتناعه " مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي " ؟ ، رغم أن الرب سبحانه يعلم الإجابة قبل أن يسأل ، لكنه يسأل ليجعل المسؤول يقر بما خبّأه قلبه " أستكبرت أم كنت من العالين " ؟ ولأنه سبحانه يعلم الإجابة فليس هناك احتمالات لأسباب امتناعه عن السجود ، فالاستكبار والاستعلاء كلاهما نتيجة واحدة لعمل قلبي اسمه الكِبِر ، و فُضح هذا الخسيس ، وعلم إنه سيطرد من مقامه الرفيع ليس لامتناعه عن السجود ، فالله من يغفر الذنب - حيث غفر الله لآدم - لكنه سيطرد لأن مجلس الله أعز من أن يحضره من يحقر خلقاً من خلقه "قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين " .
في ذلك الزمن السابق ، علمت الشياطين أن أسهل الطرق لنتساوى في الذنوب معهم هو أن نتكبّر مثلهم  فأبوهم قد ذاق عقابه المعنوي  بالطرد وسيذوق عقابه المادي بالحرق ولأن جعل بني آدم يتكبرون هو هدف عظيم بعيد المنال ، جعلوه خطتهم الطويلة لنا ، يغرسون فيها بذور الكبر في أنفسنا غرساً وتقسّم ثلاث مراحل حتى لا نكتشفها ، ففي المرحلة الأولى وكلما فعلنا فعلاً طيباً ولو كانت طاعة ، رفع الشيطان يديه لنا بالتصفيق موسوساً ، ثم يعاود جلب محاسننا وجميل صنائعنا - في أذهاننا - ولا يمكن لنا أن نعلم هدفه حينها ، لكنه يشجعنا عليها لا لنكررها ، بل ليغرز إسفيناً يربط عليه خيوط وساوسه ويهيئنا للمراحل المقبلة ، وبعد أن يرينا جميل أفعالنا ، ويعظّم أفعالنا بعيوننا ، ينقلنا إلى مرحلته الثانية وهي أن نحقّر أفعال غيرنا، وبالرغم من أن كل إنسان يقوم بهذين التفكيرين دون وعي إلّا أن الشيطان يؤكد عليهما بوعي وخطة مدروسة ، فتكرار تحقير أفعال الغير وتكرار تعظيم أفعالنا كفيلان بتهيأتنا لمرحلته الثالثة التي نتساوى معه فيها بالتكبّر على خلق الله ، وفي هذه المرحلة تعقد المقارنة بين ما نعظمه لدينا وبين ما نحقّره لدى الغير فيدخل الكبر في قلوبنا ونستعلي على خلق الله بأن نحقّرهم ونعظّم أنفسنا .
ولأن المتكبّر غالباً ، يحتقر من ينصحه ، ويرى في نفسه مرتبة أعلى من الناصح لذا لا يرجى شفاؤه ( إن كان في المرحلة الثالثة) أما في المراحل الأولى فإن علاجه إن يحقّر نفسه ، ويعظّم من يحقره حتى تستقيم نفسه على أن لا تحقر خلقا خلقه الله .
ومما يوجع القلب أن الكبر يحرص الشيطان أن يغرسه في قلوب أهل الطاعة قبل أهل المعاصي ، ليغرس قنبلته التي تفجر طاعاته بكبرٍ خفي لن ينصحه فيه أحد ، وترى الرجل أو المرأة الصالحة قد أطلقوا يديهم بالخير ، وجاد لسانهم بالذّكر ، لكن هذا الرجل رغم حرصه على صلاة جماعة ، يقف الفقير بجانبه ، فيتأذى من رائحة عرقه ، فلا يحمد الله على فضله بأن رفعه وخفض غيره ، بل قال في نفسه "كيف يتعدى هذا الجاهل على المسجد برائحته ؟ " وينسى ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن بال في المسجد ، فيذهب أجره بتحقير خلق الله ، و يضيع عمله باستعلائه عليه ، ولربما أظهره لسانه.
لكن غبار الكبر لا يكاد ينجو منه أحد ( نسأل الله العافية )، فكثيرٌ من الناس يتكبر بماله ، أو بوطنه وجنسيته ، أو بطوله أو بقوته أو جماله أو نسبه أو بمنصب أو بوظيفة ولا يعلمون ماذا يقول الله في الحديث القدسي" الكبرياء ردائي ، فمن نازعني في ردائي قصمته" (صحيح ) ويقول صلى الله عليه وسلم "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر "( صحيح ) , فهل سينجح إبليس في غرس حبة من خردل في قلوبنا قبل أن نموت ؟

Friday, July 13, 2012

بلاد الواو


بالرغم من أن الشمس تشرق علينا قبلهم بنصف يوم إلا ان ضياء علومهم قد أنار ليلهم قبل ليلنا بنصف قرن ، وفي هذا البلد الذي أبهر العالم ، بصناعة أفلامه وصناعاته و أسلحته يستمر الإبهار وأصبح معلماً يزورهم ويزورونه فهو جزء من ثقافتهم وممارساتهم اليومية ، فلا طعام يقبلون به دون الإبهار ولا سيّارة يركبونها دون الإبهار ولا برنامج تلفزيوني أو فيلم وحتى حدائق ترفيه أطفالهم تجد فيها الإبهار ، لكنه يرفع سقف تكاليف حياتهم ، ففنجان قهوتهم المبهر قد تضاعف ثلاث اضعاف مقابل الحصول على الكثير من الإبهار في مستوى الخدمة والكثير من الابهار في حسن التعامل و إبتسامات العاملين والكثير من الإبهار في النظافة و ملائمة المكان ولكنك ستحصل على قليل من قطرات القهوة المركزة.
لكن الإبهار ليس حِكرا على أفلامهم و صناعتهم وإنما هو جزء من اسلوب تفكيرهم ولذا تجده في تفاصيل حياتهم اليومية ليجعل مطاردة الحلم الأمريكي ( امريكان دريم ) مطاردة جادّة - وإن كانت مستحيله - للحصول عليه ، ولذلك تجدهم يقترضون ليعيشون في مستوى الإبهار المرغوب ، وبعد الكثير من نكساتهم الإقتصادية والكساد الإقتصادي يرفضون أن يكون الإقتصاد والتوفير هو الحل فتجد ثقافة الإبهار تتدخل في إسلوب حل أزمة ديونهم وكساد أسواقهم فنتفاجأ أن حلهم لها هو زيادة الإنفاق!
وكما أن رجالهم يحلمون في الثراء الي حد الإبهار، فإن نسائهم يبحثن عن الجمال ، ولكن كل المساحيق لن تجعل من كل الرجال يقولون واو عن جمال المرأة ، فانتقل البحث عن الأبهار من الوجه إلى الثياب ، ولأن أجمل الثياب لا تكفي لأن تجعل كل الرجال يقولون واو فتحولوا إلى الكشف عن الجسد ، و لأن الغرائز ( البهيمية) كفيلة بجعل أغلب الرجال ينظرون إلى الجسد المكشوف ، لذا تم الإستعانة بالغرائز ليبدأ التسابق في كشف الأجساد ، حتى أصبحت الأجساد المكشوفة هي الزي الموحد لكل طلاب مدرسة الإبهار الأمريكية .
لكن حياتهم المادية المبهرة تحولت إلى المظهر وتركوا إبهار الروح ، فعاشوا ليجمعوا المال دون أن يملّوا الجمع ونسوا أن المال وسيلة المتعة و المتعة لا تتطلب مالاً وأن بعض الرضا كفيل بان يقلب شقاء الدنيا جنة ولكي نتمتّع تكفينا الابتسامة ، والابتسامة لن تطلب منّا كشف حساب بنكي قبل أن تزورنا ، ( ولكننا نتصوّر ذلك ونصدقه ) ، و حين نناديهم باسمائهم نجدها هي للأنبياء مثل داوود ( ديفيد ) ويعقوب ( جاكوب ) وغيرهم من القديسين لديهم ، ولو خرجوا من قبورهم ورأوا ثيابهم المنافية لدعواتهم بالحشمة وعلموا أن محاكمهم تحفظ الحقوق ، لطالبوا بحقوق ملكية أسمائهم أن تحفظ ، ثم عادوا لقبورهم .