Sunday, January 6, 2013

زُقاق أبو حيان

حين أحدث الآخرين ، أتلصص على عقولهم ، ويستهويني التجوّل فيها، والتنّزه في أزقتها ، و لثقة أصحابي بي ، تفتح لي أبوابٍ عقولهم المحكمة ، وترفع أبواب قلاع عقولهم الحديدية، فأتجول في ذلك الزقاق ، كما أتجول في زقاق مدينة قديمة ، وكأنني قد زرت النمسا ومررت بأزقة سالزبورج القديمة ، أرقب مبانيها العتيقة ، وممراتها الضيقة ، وأسأل نفسي عن عمر تلك الدكاكين ، وأتسائل عن من عاش فيها ، وأتوقف ألحظ صورة علّقها دكان بالسوق، يظهر منها أنها لذات الدكان المعلقة فيه ، وفيها ذات البضاعة ، لكنها بالأبيض والأسود ، وفي هذه الصورة يظهر أشخاص كانوا في زمنٍ الكل فيه يلبس الطواقي العالية والجواكيت الطويلة يقفون بجانب ذات الدكان ، فأعلم منها أن عمرالدكان قد تجاوز ال ١٠٠ عام ، وهنا أعود أنظر لزقاق سالزبورج ، لأغيب في رحلة الزمن الماضي ، وأتوقف عند شاباً يعزف أسفل منزلٍ ولد فيه موتسارت سنة (١٧٥٦) أشهر موسيقي ذلك القرن، أستمع إلى معزوفات موتسارت قليلاً ثم أنصرف، ورغم سحر تلك المدينة بمبانيها العتيقة وبمعزوفات موتسارت الرقيقة ، إلا أن نزهة العقول تسحرني أكثر، ففي أزقتها أتمتع برذاذ مشاعر محدثي ، ولربما تزيد هذه المشاعر فتبللني أمطار عاطفته بشعور إحباط يتملّكه أو أسى يعتصره ، فأحاول أن أشاطره مشاعره ثم أغير الحديث كي لا أشعر بالإحباط أو بالأسى معه ، فعقولنا تحاكي عقول محدثنا و تفيض بذات المشاعر ، وأهرب إلى زقاق آخر ، حيث يحدّثني عن ذكرياته ، ولأن ممر الذكريات في عقولنا يغلب عليه أن يكون الأجمل ، فهو ممرنا المزيّن ، ودهاليز ذاكرتنا تغطيها الخضرة ، وتزين شرفاتها الازهار ، كما يفعل أهل سازبورج .
ومن تلك الدهاليز تتكون أعجب الشخصيات ،في سنة ( 414 هـ ) توفّي أبو حيان التوحيدي الذي قد عاش في العراق ، كان أحدى عجائب الدنيا، ملأت رأسه العلوم ، وتقاطرت من فمه قطرات الأدب ، يقول عنه صاحب كتاب " معجم الأدباء" شيخ الصوفية ، وفيلسوف الأدب ، وأديب الفلاسفة ،،، لا نظير له ، ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة ، كثير التحصيل للعلوم ... " إلا أن دهاليز عقل هذا الفيلسوف الصوفي ليست كلّها جميلة ، فهناك دهليز آخر يكشفه العالم الجليل ابن الجوزي ، فيقول أنه "زنديق" ويكشفه الذهبي الذي يصفه ب"الملحد" كما ذكره ابن حجر ب"الرجل المنحل" ، لكن زندقته وانحلاله لا يغيران من كونه عالما لم يدع علماً من علوم عصره إلا أتقنه وكتب الكثير من الكتب التي أدهشت من بعده مثل كتاب "الإمتاع والمؤانسة" والذي يحكي فيه زيارته لوزيرٍ بغدادي ، يحدثه ويؤانسه ، وكان يرجو منه أن يقربه فأظهر له علومه ، وغلّفها بالحكمة ، وجمّلها بالأدب ، لا يمكن لقارئ الكتاب إلا أن يتمتّع بقراءته ويأنس بحديث أبو حيّان ، ففيه تعظّم الأخلاق و تذم الرذيلة و تكاد تشك أنه شعراً من فصاحته .
لكنه قد عجز أن يترجم ما يقوله أو يلزم به نفسه واسمعوا لما يقول عن نفسه "ولقد اضطررت بينهم ,,, الى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة والى بيع الدين والمرؤة والى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق , والى مالا يحسن بالحر ان يرسمة بالقلم, ويطرح في قلب صاحبه الألم" .
وكأني أمشي في أزقة عقل أبوحيان ، وأرى خصومة سكانها ، ففي زقاق العلم ، علقت لوحات كتب بها أن الرزاق هو الله ولو تبق آية في كتاب أو حديث أو حكمة إلا وقد علمها هذا الزقاق ، فسطرت في كتبه ونطق بها لسانه ، إلا أنه حين تضيق الدنيا عليه ، نجد أزقة العمل في عقل أبو حيان ، تخالف أزقة العلم أشد المخالفة ، وكأن الزقاقين قد تخاصما ( العلم والعمل ) ، فقليل من الإيمان كفيل أن يجعل يديه ترتفعان ويسأل الله الرزق ، وقليل من الإيمان وبعضاً مما يعلم كفيل أن لا يبيع الدين بالدنيا فهي خسارة الآخرة ، التي يبيعها ، وخسارة الدنيا لأن الله هو الموفّق فيها ، ولذا رغم كل نفاقه وبيع دينه ليشتري دنياه ، إلا أن ذلك لم يصلح له حاله ، فقد قتل هذا الوزير بعد فترة من لقاء أبا حيان ، ولما انقلبت بأبو حيّان الأيام رأى أن علمه و كتبه لم ينفعانه وبخل بهم على من لا يعرف قدرهم، فجمعهم وأحرقهم، ولو أنه أعمل الصبر وحسن ظنه بربه ، كما يعملهما على لسانه لأصلح الله له شأنه ، ولذا كلّما تجوّلت في عقول مزينة بالحكمة والفصاحة بحثت فيها عن خصومة أزقّة أبو حيّان.


عبد الله عبد اللطيف الإبراهيم
bosleah@

Friday, December 21, 2012

أمنية محب


ليس في كويتنا جبال الألب الشاهقة، أو شلالات نياغرا العظيمة، ليس فيها سفوح باڤاريا الخضراء، أو ريف الريفيرا الساحر، ولا يشابه صيفنا صيف كاليفورنيا المعتدل، ولا شتاؤنا هو شتاء هاواي الدافئ، ولكننا في الكويت نجد أناساً طيبين نعيش معهم، نحبهم ويحبّوننا، وبلداً غير مكلف، نستمتع فيه بالمواطنة أو الإقامة دون سياط الضرائب، وأبسط مثال على ذلك، أنك تركن سيارتك بمائة فلس لمدة ساعة في المواقف العامة وسط العاصمة، بينما تدفع دينارين في فانكوفر الكندية، و3 دنانير في باريس، و7 دنانير في شيكاغو لساعة وقوف. ونشتري من أسواقنا المركزية زجاجة الماء الكبيرة بـ 150 فلساً (نصف دولار)، بينما نجدها في رف محطات الوقود النمساوية بدينارين. ولا تنس أنك تدفع هنا عشر ثمن الوقود هناك، ولن تزيد فاتورتنا في أرقى مطعم سمك لدينا على 20 ديناراً، ولكننا قد ندفع 60 ديناراً من أجل جلسة في مطعم أوروبي نقوم منه جوعى. ويبقى لنا الخيار بأن نحصل على طبق سمك شهي مقابل دينارين في الكويت، ولكن بجلسة وديكورات متواضعة. 
وفي كويتنا الغالية، لن تضطر إلى أن تنظف منزلك بنفسك كما يفعل الأثرياء الأوروبيون والأميركيون، فعاملة تنظيف المنزل لديهم يكلّف عملها لثماني ساعات 800 دولار، بينما عندنا أجرتها اليومية تقارب الدينارين. نعم، إن الكويت تعجبني، وقد يغيب بعض إعجابي حين أقارنها بما هي أفضل منها في أمور أخرى، ولكني إن رأيت شيئاً لا يسرني فيها أعود لأتذكرها وقد احترقت بعد الغزو الغاشم، وتطايرت أدخنة حرق آبارها وملأت أنفي غازات هذه الآبار وتلوثت ثيابي بالبقع النفطية، وتدمرت بنيتها التحتية، وخلت أرفف أسواقها، وقلّت سياراتها، وكأننا في مدينة مهجورة. وحين أتذكرها في تلك الحالة وأقارنها بما آلت إليه اليوم يرجع إعجابي بها دون منغصات، فتعود وتعجبني بزحمة سيرها، وعدم احترام قوانينها، وإهمال بعض موظفيها، وحين أبدأ أحدّث نفسي بالكثير من الأمنيات أحرص على ألا تطول فترة تفكيري في هذه الأمنيات، فالنّعم التي منّ الله بها على هذا البلد لا يمكن أن تحصى، والتفكير فيما ينقص بلادي سيمنعني من الاستمتاع بها، فالسعادة عندي تبدأ في التفريق بين ما هو عندي وما أتمنّاه، فالتفريق بينهما يبقيني بعيداً عن التعاسة، فالله سبحانه أعطاني الكثير وحرمني من الكثير، وأعطيته هي الواقع الذي أعيشه وأستمتع به وهو وطني كما أحيا فيه الآن، وما أتمناه هو ما لم يشأ سبحانه أن يعطيني إياه، وإن كان ممكن الحدوث، فأطلبه وأتمنّاه، ولكنني لن أعيش فكرة الحصول عليه أو أظل أفكّر فيه، فمن دفتر ملاحظاتي، كتلميذ للحياة، وجدت أن كل من يخلط بين ما يملك وبين ما يتمنى، يكون قليل السعادة، عسير الابتسامة، دائم الانزعاج، فهو يحاول أن يعيش الأمنيات التي يجد فيها تمام رغبته، ولكنه ينسى أن الكمال مستحيل، ولا وجود له، فهو كمن يحلّق بمركبة أمنياته كل يوم ليرحل بعيداً عن واقعه الذي لا يعجبه، فكلما رحل بعيداً بأمنياته كان تحطم مركبته أشد على أرض الواقع، بينما يكون الآخر كمن هو واقف على أرضه في مأمن من التحطّم. 
وبين عناوين الصحف، وجدت بعض الأماني تتحقق، فمجلس الوزراء قد رفع قطعة الرخام التي يخبئ أسفلها الملايين ليبني جسر جابر. وعلى الرغم من سعادتي بالجسر، فإن ذلك الخبر ليس في أولوياتي، فأمنياتي للكويت تبدأ بالمهم ثم الأقل أهمية. ولو خيرت بين هذا الجسر ومنع التدخين في الأماكن المغلقة، لكان صوتي مع منع التدخين أولاً. فلست أنا من يحزن إن سبقنا غيرنا بجسر أطول أو عمارة أعلى، ولكنني أحزن أن يمنع التدخين في حدائق نيويورك العامة وشواطئها ويدخّن السيجار الكوبي الكريه في أماكن وطني المغلقة، وتحت سقف واحد مع أبنائنا، دون أن تكون هناك وسيلة أو آلية تمنع المدخنين الإضرار بأولادنا، فالمال يجب أن يحسن توجيهه في بناء البشر قبل الحجر، وفي العناية بصحتنا بدلاً من أن نبني المستشفيات لنعالج ما يمكن تلافي مخاطره.
عبدالله عبداللطيف الإبراهيم 
bosleah@

Sunday, November 4, 2012

شكراً لعطفك يا وطن



شكراً لعطفك يا وطن

عادة لا أكتب في السياسة ولكني لن أبخل على وطني بقلمي ، وأن كنت أعلم أن قلمي لن يستر جسد وطني العاري ، فقد تنازعنا ثوبه وانقسمنا قسمين ،و كل منا قد وقف يجذبه باتجاهه ، ونسينا أن هذا الوطن يقف عاريا وهذا ثوبه الذي قد ستر عورته وهو ماء وجهه .
وبالرغم من أنني أعلم أن أغلب من يقرأون مقالي قد اصطفوا مسبقاً إلى أحد الجانبين ( الحكومة أو المعارضة ) وبالتالي فإن القارئ سيبحث تلقائياً بين سطوري عن توجهي الشخصي في هذه الأزمة ، إلا أنني سأقطع الطريق وأخبركم أن قلمي في المنتصف ، وما أحاوله جاهداً أن أمسك موطني الذي قد آواني و احتضنني ورعاني كي لا يتقطّع بين فريقين متجاذبين ولا يشق ثوبه .
فالحل لا يكمن في الاصطفاف إلى أحد الجانبين فكلا الجانبين لديهم من الصواب الكثير ، ولكن الحل في التعقل والتدبّر لكلا الفريقين ، بأن نكشف للفريقين عواقب الأمور فكلاهما على ذات القارب ، ولا أريد من كلا الفريقين أن يقللا من وزن الآخر فيسحبا بشدّه وبعدها يتقطّع الوطن ، ولأني أريد للنقاش أن يبدأ ، للوصول إلى مصالحة دون تعطيل المصالح ودون هدر للدماء .
والسياسة هي باختصار تمثيلٌ للمصالح ، لا أقل ولا أكثر ، فهذا يمثّل مصالح فئة وهذا يمثّل مصالح فئة أخرى والكل يدّعي أنه حريصٌ على وطنه وكل يدّعي وصلاً بليلى، وفي السياسة غالباً ما تكون الأمور غير يقينية ، إلا أنني متيقّن أن وطني هو المتضرر كلا الفريقين .
وما يحصل الآن من حزم إلا طريق مختصراً للعنف ، والعنف يولّد العنف كما شاهدنا من أشقّائنا ولا العجلة لا تريد من يخترعها ، فالموازنة بين الحزم والحكمة هو الحل ولأن أزمتنا السياسية معقّدة ، فالحل البسيط باستخدام القوّة والحزم هو نوع من السذاجة ، وبأس المشورة تلك ، فالوضع السياسي معقد لدرجة ومن يريد الحل دون فهم التعقيد هو كمن قد دخل مفاعلاً نووياً ووجد سائلاً يخرج من تحت باب المفاعل ، فانخفض ووضع اصبعه وتذوقه !
وسأقف على بعض صور التعقيد السياسي ، فنحن نقع ضمن جزء من عالم يغلي فالتأثيرات للأوضاع الخارجية لا بد أن تأثر لشعب يشاهد التلفاز بمعدّل عالِ ، كما أن نسيجنا الاجتماعي يشكّل الشباب أغلب نسيجه ، وهو ذو الصوت الأعلى في تحديد نتيجة صناديق الإنتخاب ، كما أظهرت النتائج في ٢٠١٢ اللتي أظهرت تطرفاً واضحاً ضد كل ما هو توجه حكومي ( بسبب فداحة الأخطاء الحكومية وليس بسبب تنظيم صف المعارضة) وبالتالي كانت كتلة الأغلبية كبيرة بسبب إصطفاف أخطاء الحكومة الى جانب كتلة المعارضة ، ومن اطلع على سيكولوجية التفاوض ، فانه يكون في بحث نقاط التنازل من كلا الفريقين قليلاً قبل الاصطدام وسأوجه لكل منهما أسئلة ، ليعيد كل منهما احتساب معادلات قوته ، و ليعلم أنه ليس دائما على صواب ليبدأ التراجع منهما ويتنازلا وتبدأ المصالحة
وسأبدأ حديثي لمن يسحب ثوب وطني باتجاه المعارضة فأقول لا تسحب بشدة :
ألا تعلم أن الشعوب اللتي نزلت للمظاهرات، كانت تبحث عن كسرة خبز بينما نحن شبعى؟
ألا تعلم أن الشعوب اللتي تظاهرت كانت مكممة الأفواه بينما نحن نتكلم ؟
ألا تعلم أن الشعوب اللتي تظاهرت هي شعوب لم تكن تشارك السلطة بأي شكل من الأشكال ، بينما نحن نفعل ؟
ألم تعلم أن نزول الآلاف الشوارع هو دليل قوتك ؟ فلم لا تتحلى بحكمة القوي القادر وتفاوض دون استعجال قبل ان يصاب أحد أو تهدر به الدماء؟
ألا تعلم أن الصوت الواحد هو نظام جيّد للانتخابات وكلنا نعلم أنه ليس أساس المشكلة ؟ وستأتي برلمانات تغييره إن أرادت فلم الاستعجال ؟
وأقول لمن يسحب الثوب باتجاه الحكومة فأقول لا تسحب بشدة : ألم تعلم أن ما يحصل ببساطة هو امتداد لرفض الحكومة لسلطة الأغلبية؟ أوليس الأغلبية هم إختيار الشعب ؟
ألم ترى عشرات الآلاف نزلوا الشوارع ؟ ألا تظن أنها أشارة واضحة لا يجب تجاهلها ؟
ألا تعلم أن كل قرون استشعار الحكومات اللتي سقطت لم تكتشف الثورات ، فلم تراهن على قرون استشعار حكومتك ؟
ألم تعلم أن الحكومات الماضية هي المسؤولة سياسيا عن الفساد وعدم التنمية بصفتها السلطة التنفيذية؟ ألا يحق للشعب الإمتعاظ أو الغضب !؟
ألا تود كما يود كل غيور أن تعرف حقيقة الإيداعات المليونية ؟
وأسألك أخي القارئ : هل نظن أن مخرج أزمتنا هو في الاصطفاف مع أحد الفريقين والتشجيع ، فتشتد المنافسة باشتداد التشجيع ، و نتحوّل من السؤال : من الرابح ؟ الى التأكد أن الوطن هو الخاسر الأكبر! فالعاطفة واتلشجيع لمن نحب ونرغب هو تعقيد إضافي للمشكلة
بالتأكيد ان الحل هو بان نتوقف تشيجيع ونطالب الحكومة بتقديم التنازلات اللتي فيها كل الحق للمعارضة و نطالب المعارضة بان تقدم تنازلات اللتي فيها الحق للحكومة ، وحين نوقف من يحاول ان يحفر سفينتنا ستسلم ، وما أحاول الوصول إليه من هذه الأسئلة السابقة هو أن أعطي سبباً وجيهاً لكلا الطرفين ، ليرخي كل منهما ثوب وطني قليلا ويقدم تنازلات ، فيسلم ثوبنا ويستر جسدنا وننعم بالأمن ، وقد قال أهلنا قديماً " ما ينشق الثوب بين عاقل ومجنون" فالمجنون إن سحب الثوب اتجاهه أرخاه العاقل قليلاً!


كنا بأزمات وجوع
فأيقظتك منا الدموع
فخلطت لحمك في دمك
ووهبتنا نفطًا نبيع

شكرا لعطفك ياوطن

كفرنا طيبك والادب
وجمعنا الفضة والذهب
ونسينا أنهما حشاك
لكن عفوك قد غلب

شكرًا لعطفك ياوطن

عبدالله عبداللطيف الابراهيم
bosleah@

Friday, October 5, 2012

الوردة أو الحديقة


عادةً لا أتناول طول يومي أية وجبة ، لكنني آكل بإسلوب النقنقة ،  وكأنني أُدخل معدتي لقيمات بين الفينة والأخرى ، دون أن أحدث ضجة في معدتي ، ففي معدتي تنّين لا أريده أن يجوع فيستيقض من نومه فحين يجوع ، يخرج رأسه من فمي ثم ينفخ ناره فيحرق الطعام الذي أمامي - بالطبع ، أنا لست متهم بما هو يأكل فهو المتسبب - ، و حين يأتي المساء أرمي لهذا التنين مكافأته( وجبة العشاء) و هي أيضاً مكافأة صبري وحسن إدارتي لإطعام هذا التنين والعناية به ، لكني قبل أيام ، عدت إلى منزلي بعد يوم شاق ، أرهقني التعب و غلبني الجوع وتوقفت حركتي حين ارتميت على كرسي مائدتي ، هناك جلست وقد خفضت رأسي من شدة التعب ، ثم رفعته لأرمق صحناً من الخضار المقشّر و سلطة بالزيت والخل  و قدرٌ من حساءٍ ساخن  ، وبلا شعور تجاوزتهم ومددت يدي إلى طبق الدجاج لآكله على طريقة العصر الحجري ، فعقلي الذي قد علمته أن يبدأ بالسلطة قد أطفئته غريزة الجوع ، واستلم زمامه التنين الغضبان ، وبعد أن رميت له هذه القطعة ، توقّف عن نفخ ناره وعدت استلمت دفة القيادة ، فسكبت بعضا من السلطة لأكمل  بها و رفعت رأسي ، ووجدت أبنائي لم يبدؤوا بعد ، فقلت بديكتاتورية : لا تتحولوا عن السلطة وصحن الخضار حتى أأذن لكم  ، و بدافع إرضائي أولأنهم لاحضوا إرهاقي لم يحاولوا  المخالفة ، وحينما رأيتهم يأكلون  قلت لهم لأغير أجواء الجدية ، هل تذكرون قبل سنين ؟ ، لقد كنتم تأكلونه وتشعرون بطعم القاذورات بافواهكم ، فضحكوا ، واليوم أنتم تأكلون السلطة وتقولون أنها ليست كريهة ، هزّ أبنائي رأسهم وقالوا نعم ، فقلت سيأتي يوم ستتلذذون بها ، لن نسمح بعقولنا أن تسيطر علينا,  نحن من يسيطر عليها.
 واليوم وأنا أكتب مقالي عرفت ما قد ألهمني هذه العبارة ، فقد مررت سابقاً على إحدى الدراسات اللتي تبحث في منطقة دماعية اسمها "Relax Zone " أو مكان الراحة  وهذه المنطقة هي مركز موجود في الدماغ ،  تقول الدراسة إنه بمراقبة تصرفات عدد من الأشخاص وتحديد الدوافع لأفعالهم ، تبيّن أن ٩٥٪ من تصرفاتهم يمكن ربطها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في هذه المنطقة ، فهؤلاء الأشخاص قد اختلفت مناطق الراحة لديهم وكلٌ منهم يحرص أن يذهب لما يحبه، فهذا يحب الصيد وذلك يحب رفقة الأصحاب والضحك ، وذلك يشرب الخمر وذلك مدمنٌ للأسفار  ، ووجدت الدراسة أن تصرفاتهم أما أن تكون ترتيباً مباشراً ليكونوا في منطقة راحتهم في المستقبل ، أو أنهم يرفعون العوائق اللتي تمنعهم من الوصول إليها ، مثل جمع المال لها ، والقيام بالمسؤوليات اللتي على عاتقهم ليشعروا براحة البال ، إن كانوا ضمن هذه المنطقة ، وفقط ٥٪ من تصرفاتهم لا يمكن ربطها بمنطقة الراحة ، والمقصد من ذكرها هو أننا يوماً ما  قد حددنا مناطق الراحة لدينا ، لكن هذه المنطقة ستحدد ما نفعله طوال أعمارنا وتصرفاتنا ، فهل نقبل أن تسيطر علينا عقولنا ونحاول أن نبقى نكرر متعة نحن خلقناها لأنفسنا ، أم نتدخّل لنغيرها ؟
وقبل أيام علمت بدراسة أخرى حول " علم النفس في تغيير السلوك " أظهرت الدراسة أن فارق بسيط قد يحوّل الإنسان من سمين إلى نحيف  ، وهذا الفارق هو الحزم في التعامل مع الأفكار والنفس ، حيث  أن من يتناول  كميات أكبر هو الشخص الذي  يقول لنفسه دائماً "هذه آخر لقمة "، بينما الآخر يقول في نفسه " لقد إنتهيت ، سأتوقّف " ، كما تبيّن أن الحزم في التوقّف عن الطعام يساعدنا أن تكون إرادتنا أقوى بينما من يتساهل تضعف إرادته فيتساهل أكثر وهذا ينطبق على من يدمنون الجنس والخمر والمخدّرات .
لكن الموازنة بين ما يمتعنا وبين ما ينفعنا أمر محيّر ومعقد ، فالمتع لن ترفعنا في سلم البشرية ، بل هي كفيلة  بتحويلنا إلى  حيوانات بشريّة ، تكرر غرائزها و محصلة حياة الكثير من البشر ستتحول الى  تكرار لمتع يحبّها ، وإذا ما حسبنا ماذا ستضيف هذه المتع لنا ولقيمتنا ومستقبلنا ، ولا أعلم أحد رفعته متعٌ كان يفعلها ، بل هو العلم والأخلاق ، ومثل من يبقى مع ما يمتعه ويكرره بلا شعور ،  كمثل شخصٍ أعطي كوبون مجاني للتسوّق ينتهي بنهاية يومٍ معين - وهذه هي أعمارنا - وبقي في  السوق  يتسوّق  ( متعنا ) حتى طرد من السوق  ولم يحاسب ( دفع الحساب هو ما ينفعنا )  فبماذا سيخرج منه ؟ أو كمثل شخصٍ دفع رسوم الدخول لحديقة بها نهر وحيوانات أليفة  ومروج ،فأعجبته زهرة عند الباب فانخفض يشتمّها ، وبقي على بطنه حتى أغلقت ولم يحضى بما تبقى منها فالحياة بها الكثير من المتع لن نعلمها أن لم نبحث عنها ونتعلمها 
-------------------------------------------
 (  لاأدعو هنا لهجر المتع فهي ضمان استمرارنا أحياء وتبقى الحياة جميلة في عيوننا ولكنها دعوة للموازنة بين ما يمتع  وبين ما ينفع ، أو هي دعوة لاستبدال بعض متع اليوم مع متع ستمتعنا بالغد لكنّها لاتمتع اليوم   )

Friday, September 14, 2012

فراشاتنا المضيئة



قبل أكثر من ٤٠ سنة , وفي بيتا المتواضع  نشأت دون أن أجد ترفيه يقارن بترفيه اليوم ، ولأن والدي - أطال الله في عمره -  يؤمن أن النعم لا تدوم ,  وحين نكثر عليه الطلبات ، كان يقول لنا " إخشوشنوا" وكان يرى كثير من كماليات الحياة آن ذاك ليست ضرورية  ، و حين أصبحت رجلاً  ، مشيت في ممرّ سوق حيّنا، وحين رفعت رأسي أبحث عن شيئ من الحلويات أستبدل به نقودي ، لم أرى سوى أرفف خاوية ، وكأني أراها الآن أمامي  ، ممرٌ طويل خالي سوى من  كرتون الباذنجان البصراوي ، ولا أزال أتسائل لم رفعوه عالياً رغم أن أسفله خالي ، و بالرغم من قلة الطعام آن ذاك لم يرغب أحد بشرائه ، فحينها كنّا في غزو غاشم  لبلدي الحبيب ، وبعد شهور من الخوشنة علمت صدق نبيّنا صلى الله عليه وسلم وصدق أبي معه ، وأيقنت أن النعم زوّالة ، فلم يعد هناك الكثير من خيرات هذا البلد ، لكننى قد  بقيت حياً دون الحصول على كمالياتي ومنها الشيكولا ، وعلمت بعدها  أن الحياة بلا ترفيه وكماليّات ليست قبيحة كما كنت أتصوّر ، لكنّ المحزن في حينه أنني كلما حاولت الحصول على قطعة من الشيكولا الأجنبية بائت محاولاتي بالفشل ، وفي ظل الأيام العصيبة تلك ، بعيداً عن الأمن و بعيداً عن الشيكولا ، فتحت خزانةً في دارنا ، فوجدت ما أبحث عنه  بعيدًا ، وجدته بالقرب من حجرة نومي ، وحين فتحتها  تلألأت كراتين الشيكولا الفاخرة  ، وأتاني شعور وكأنني قد تهت في الصحراء وقبل أن يقتلني حرّ الشمس والجوع العطش وجدت  مصباح علاء الدين لأطلب منه القصر والجواري ، وحين سألت عن مصدره ، عرفت أن نسيبنا - جزاه الله كل خير -  قد جمعهم و غادر مشكوراً دون أن يخبرنا بهم  .
وبعدها ،  جََزَرَتْ المصائب ، و أتانا مدُّ الرخاء ، وما بقي من الخوشنة سوى القليل ، فركبت الطائرة لأرى ما فاتني من بقاع الدنيا وأنظّف بقايا رواسب الخوشنة ، وفي إحدى زياراتي لماليزيا ، ذهبت لأرى حديقة الفراشات المضيئة ، ويالها من زيارة ، إنه نهرٌ يشبه المستنقع ، تجولنا  في أنحائه بقاربٍ ضيق وفي جوًّ رطب نهشنا فيه الناموس نهشاً وكأنه لا يريد أن نستمتع برؤيا هذه الفراشات المضيئة ، وفي الظلام الدامس ، تزيّن النّهر بأضواء الفراشات ، كما تتزين شجرة عيد الميلاد ، وسحرنا بسحر الطبيعة ، فهذه مخلوقات مضيئة  تتطاير وتتحرّك ، وتملأ هذا النهر ضوءاً ، هنا تجدها متجمعة ، وهناك تراها متفرّقة ، وهذه تقف بجانبك ، وتلك تتوهّج ثم تخنس ، وحين قرأت عنهم عرفت أنّهم ينقرضون  ويتناقصون، لا لشيئ سوى التّلوّث الضوئي ، وذلك بسبب المدنيّة ، فهناك الكثير من أضواء المدينة في الليل مما يجعل حياتهم صعبة . 
واليوم وبعد مرور الكثير من  السنوات السمان ، أتذكّر الأيام والليالي العجاف في ردهات أسواقنا ، وكلما نظرت إلى فتياتنا وشبابنا أولاد السنين السمان ، أراهم قد لوّنتهم الأموال ، وزينهم الثراء ، وحملتهم العافية ، أسأل نفسي هل من الممكن أن يروا صندوق الباذنجان البصراوي  ؟هل من الممكن أن تزول النّعم ؟  هل قال لهم أبوهم "إخشوشنوا"؟ ، هل حكى لهم آبائهم عن الخوف والقتل والذل والجوع الذي قد عشناه ؟ هل أدركوا تقلّب الحياة ؟ وظللت حائراً في أسئلة عجزت عن الإجابة عليها ، فالحياة اللتي يعيشونها أرجوا أن تدوم ، لكن سنة الحياة التّغيير ، ولودامت لغيرنا ما اتصلت إلينا ، وعدت وسألت نفسي هل  سيقفون في المطابخ وتبقى أفنيتنا نظيفة إن عُدمنا الخدم ؟  أم سيكونون مثل فراشةٍ مضيئة أدركها الصباح ؟

عبدالله عبداللطيف الابراهيم
@boslaeh


Friday, August 10, 2012

سقيا الروح*



* مقال أدبي يحوي وسائل علمية وعملية للتلذذ و التغني بالقرآن.

فنُّ الحديث يحوّل الاستماع الممل الى متعة حقيقية ، وحين يروي بعض المتحدّثين أحداث حياتهم اليومية  ، يشدنا حديثهم فنصغي إلى أدق التفاصيل ، بينما يفشل البعض الآخر في الإحتفاظ باهتمامنا لدقائق ، فقدراتهم القصصية عالية ، إنهم يحبكون أحداثهم بمهارة  و يسردون تفاصيل تناسب من يجالسونهم ويهمّشون بعضها الآخر ، لكنك قد تتفاجأ بنسيجٍ آخر إن استمعت لها مرة أخرى ، وحين يقاطعهم المستمعون و تأتي التعليقات يفسحون لنا مجالاً للمشاركة ، لنعبّر عن آرائنا ويشاطروننا رأيهم، لكنهم يجيدون المداخلة والإمساك بزمام الحديث بانسيابية فائقة ، وبينما تحدثنا شفاههم وألسنتهم ، تتحرك أيديهم لتصوّر بعض الأحداث ،و تراقبنا أعينهم ، لتلحظ علامات الملل على وجوهنا ، فإن وجدوها تسارعت أحداث قصتهم ، وإن لم يجدوها أبطؤوا ليحظوا بآذاننا فترة أطول ، ولعلهم يمزجون الأحداث بنكهة الفكاهة ولعلّهم يقفزون على مشاعر السامعين ليمتطوا صهوة حصان التشويق التي طالما أطعمه السامعون من لذيذ مديحهم وسقوه من سائغ استحسانهم  .
 لكنها تبقى فنون بشرية ، فكيف بحديث ربّ البشر  ، حديث من خلق لنا الألسن ، ورسم لنا الشفاه وصور لنا الآذان  ، فهو من خلق الإنسان وعلّمه البيان ، فخطابه أطيب خطاب و كلامه خير كلام  و قصصه أحسن القصص ، لكننا (نخطئ) فنعجز أن نتدبّر حين نسمع كلام من خلقنا كما نسمع كلام من خالطنا ، فكلام الرحمن  يستقبل بالإيمان وبعدها نتأمل كيف لنا أن نغرف من فيض المنّان ، أما كلام البشر فيناقش ويتحقق منه ويدقق لكننا قد نفعل ذلك مع القرآن ، فتضيع متعة القرآن ، فنحن لا نحتاج أن نفهم كل علوم هذا الكتاب لنتدبّره ونأنس به  - وإن كان التعلم مهم - لكن الإيمان به يكفينا ، ويكفينا أن نعلم من هو قائله ونعلم أنه يخاطبنا ونعلم أن هناك شيئ مشترك بيننا وبينه فقائله وخالقنا واحد  .
 حين نسكب القرآن على عطش أرواحنا ، ستشرق شمسه في صبيحة يوم تدبّرنا، حينها سنجد ثمرة الأنس تنبت في قلوبنا ، إنه أنسٌ  يجمع الأرواح لا الأجساد  بالقرآن  ، فحين يزور آذاننا هذا الضيف الكريم ، فلنسكنه في أوسع  دار من دور قلوبنا ، و لنلقاه بالمحبة فهو رسالة من شقائنا تنجينا ،  ولنكرمه بالتعظيم ، فهو من ملك عظيم ، ونفرش له بساط المحبة ، وبعد أن نكرمه ستلتقي أرواحنا به ، وسيجتمعان فكلاهما من الله ،و في أجمل لقاء  ، سنشعر بجمال الأنس ، وروعة اللقاء ، ستفيض عيوننا بالعبَرات ، و تتجمّد عروقنا من عظمة الآيات وذلك حين تهزّنا آيات العذاب ، لكنها تنساب ، في عبق الرحمات ، وفي وسط زوبعة المشاعر القرآنية من خوف  ورجاء وحب و شوق ،،،  تولد المتعة الكاملة  ، ترفعنا من آدميتنا قليلاً  وتنسينا طيننا  ، فحين نعجز أن نزيد دقيقة واحدة متع أجسادنا ، سيسعد المُوَفّقون في استمرار متعة أرواحهم ساعات  ،  فنعلم أن للروح متعة ويالها من متعة ، ونعلم أن للفضيلة زهاء ونقاء ، أجمل من الثراء ونعلم حينها بركة القرآن فهو طريقنا الوحيد الى الجنان ، فمالنا لا نرى وروده ، ومتعة السير فيه.
يقول البروفيسور جفري لانق- الرياضيات - في كتابه حتى الملائكة تسأل " أنه كان ملحد وأسلم وذلك حين قرأ القرآن - مفسّراً - ورأى دلالات واضحة على صدق هذا الكتاب ، فالمتكلّم ( الله سبحانه ) قد خلا من الزمان والمكان ، ولأن البشر بطبيعتهم مرتبطين بزمان أحداث حياتهم وأماكنها ، فنقول في يوم كذا حدث كذا ، فيقول حين أسلمت حرصت أصلي الفجر والمغرب والعشاء ، في مسجد بعيد عن بيتي  ، فرق قلب إمام المسجد فقال لي :  إن جيران المسجد ، لم يأتوا ، لم لا تصلي ببيتك فأنت بعيد جداً عنّا، كما أنك لا تفهم العربية ، فمكثت أصلي  ، وحين سألني الإمام قلت : هل يفهم الرضيع غناء أمه  فقال : لا ، فقلت له : أنا لا أفهم كلام ربي ، ولكنني أطمئن له  كما يفعل الرضيع حين يسمع صوت أمه " 

"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" 

عبدالله عبداللطيف الابراهيم


Saturday, July 28, 2012

أضئ قلبك


للتحية نرفع يدنا أو نمدّها للمصافحة , لكننا حين نرفعهما عاليتين ، فهذا إعلامٌ لنا بالحضور بين يدي  «عالِمُ الغيب والشهادة الكبير المتعال» ورفع كلتا اليدين في وقتٍ واحد هو إشعارٌ لنا برمي همومنا والامنا وآمالنا  خلف ظهورنا لنقبل على الصلاة بقلب لا تشغله الهموم ثم نضمهما تحت الصدر لنظهر إنضباطنا في حضرته ، لينضبط معهما قلبنا و يطمئن بهذا اللقاء العجيب.
  حين نستهل الصلاة بقولنا " الحمد لله رب العالمين"  نفتتح هذا اللقاء  بالحمد ، رغم أن شكره باللسان محمود ، إلا أن تعداد النّعم بالقلب هو الأفضل ، فمنته كبيره ، وفضله عظيم ، وكرمه فيّاض فلا حمد يجازي نعمه ولا شكرٌ يردّ له فضله ، ولاثناء يليق بقدره ، فكم من ضالِّ عبد صنماً أو بقره ، وكم صوّامٍ قوّامٍ ، معتكف في كنيسته ، لكنه ضال ، فينسب لربه الولد  ، ثم  يصلي لربه كما هو يظن وليس كما أمر ربه ، محرومٌ من جنة الدنيا و محرومٌ من جنة الاخرة ولذا نقول " اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" ، فحين نستذكر النعم لا ننسى نعمته بأن دلّنا على طريق رضاه " بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان " "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " والمسكين من لايعرف العدّ.
لكن لقاء المخلوق بالخالق يتوجب تكريماً خاص ، وتعظيماً خاص ، واعلانٌ بالاستسلام و الانقياد ، ولأجل ذلك  فكل التحايا لن تناسب اجتماعنا بمن نفخ في هذا الجسد من روحه ، ولولا أن هدانا لما عرفنا الركوع والسجود ، فينحني ظهرنا منحنيا له ، و نضع جباهنا التي كنّا نرفعها عالية لنضعها على أرضه وملكه وبحضرته، لكن الغريب في تلك السجدات أنها ترفعنا لا تخفضنا ويشعر العبد في أعلي مقامات العبودية ، أننا ننخفض إنخفاض العاجز ، ونرضخ رضوخ الضعيف ونهون هوان المحتاج ، لكن كل ذالك الذل بحضرة الرب ينقلب الى ضياء يملأ قلبه  ، فيغمرنا جمال القرب  و يأنسنا  حديث مع الرّب و متعة المناجاة " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"( صحيح ) ولأنه ليس لله من كفؤ فالجميع سينحني له ، ومن لا ينحني سيعذّب "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب".

كباقي العبيد ، نسكن  معمورة المعبود  ( اضغط الرابط إن أحببت ) و لكننا وإن كنّا وحدنا في السجود ، إلا أننا نسبِّحُ مع الخلائق ونحمد مع الخلائق "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ   وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "  ، وفي وقوفنا للصلاة نستشعر أصطفافنا مع الملائكة ،  قَالَ  رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ ، وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ , أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ( أطّت : ثقلت وصار لها أطيط أي صرير )  ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ  وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" حسنه الالباني
"قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ" وفي ثناء الله على المؤمنين ، بدأ سبحانه  بالخشوع كأهم صفة ، وأما الآية "وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" فقد جائت بالاهمية السادسة من سورة المؤمنون  دلالة على أن معنى الصلاة السامي هو الخشوع  ، فالخشوع هو درّة تاج الصلاة ، ومقصدها، والخشوع هو  بتحريك القلب ، وليس بتحريك الجسد ، و هو إحساس واستشعار وإنغماس في العبودية في حضرة المعبود ، هوخفقان القلب بالامتنان ، وانقطاعٌ  عن المشاغل ، فالشاغل أعظم ، إن الصلاة إتصال للروح بخالقها و إياب الروح إلى نافخ الروح  ،  فكم من مصلي يقول بلسانه " الحمد لله رب العالمين" لكن قلبه يقول كيف سيحمدني ربي أن وقفت لأصلي له ، وكم من مصلي يقول بلسانه إهدنا الصراط المستقيم وقلبه لا يسأل الله الاإن يهديه الى ما يملأ جيبه .
 و بتكرار الصلاة  يضاء القلب ،  فهو لقاء يجمعنا بالنور " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ" ويقول " يهدي الله لنوره من يشاء" وإذا أردنا أن تضاء قلوبنا من نور الله لنقرأ الاية الي تليها مباشرة "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ "


عبدالله عبداللطيف الابراهيم