Sunday, June 30, 2013

أحجيات أبي




قبل أيام , توفي من كان يرعاني كل يوم , ويقف بجانبي في كل أزمة ، ويسأل عني في كل مجلس  , فحملته عاليا وأخذته بعيدا وحفرت له عميقا وتركته وحيدا  فشعرت باليتم وأنا كبير





حينما كنت صبياً  صغيرا أخرج عن حدود الأدب ، كان أبي يُؤدبني ، وبعدها يسألني هل تسامحني ؟ولأني صغير لذلك لم أفهم مقصده  وظننتها أحجية ,  وفي يوم من الأيام أخذني أبي بسيارته من المدرسة  وعند باب بيتنا أخرجت قطعة الحلوى التي خبأتها في حقيبتي لآكلها , فأخذها أبي  من يدي وأعطاها عامل النظافة الذي ينظر إليها بشغف فلم أعلم مقصوده وظننتها أحجية , وحين صرت شابا يافعاً  لم أجد تبريرا  لفرط طيبه مع يسيء إليه  ،  فبائعه الذي طمع وزاد عليه السعر قال له أبي : كم تريد زيادة لترضى ثم أعطاه  ، وحين سألته  كيف تقبل بأن يرفع عليك السعر ؟ قال رحمه الله : " لحية المغلوب بالجنة " ولأنني كنت حينها قد كبرت سألته عنها  فقال : يابني : كن مغلوباً ولا تكن غالبا , فالدنيا ليست بأمر يحرص عليه العاقل .


ومع مرور الأيام علمت أن أبي يخفي في أحجياته حكمته ففطنت لها  ، وفي أحد المناسبات التي تغيب عنا أشخاص دعيناهم , سمعته يقول لنا " الكل مشغول  والكل معذور " واليوم علمت منها سر صفاء صدره وطيب نفسه ودوام ابتهاجه


قبل أكثر من شهر اشتد مرضه , ودخلت حجرته  التي  تملؤها الكتب  محاولا إقناعه بعملية جراحية , فحدثني حديث المفارق لي - وقد كتبت هذا المقال بعد ذلك الحوارلإحساسي برحيله -  حدثني حديث الملاقي لربه ، يقول لي و في مريئه ورمٌ لا يرجى شفاؤه ، يمنع لقماته ويخنق أنفاسه  ويسرق صوته  : أنا في نعيم لا يعلم فيه الا الله ، أبهرتني كلماته ففقدت كلماتي لأعلّق ، وحاصرتني مشاعري فلم أجد ما أقول ، فاكتفيت بأن تبسمت ، وسألني مالك تتبسم فقلت له : أنت في مرض وضعف وهزال وتقول أنا في نعمة لا يعلمها أحد ! .   نظر إلي متأنيا وقال لي : لولا أن أفضح نفسي لتكلمت ، خنقتني عبرتي ، لكني علمت إنه لديه ما يود الحديث عنه ، فضبطت مشاعري وضغطت على ألفاظي  وقلت له مستحثا :  اما بنعمة ربك فحدث !


طأطأ رأسه وقال ونعما بالله ، ثم قال بصوت أجش متقطّع  ( بسبب مرضه ) لقد عشت خالي من الهموم  سنين طويلة ، هل في هذه الدنيا أكبر من هذه النعمة ؟ ولقد أعطاني الله كل شي طلبته  وكل شي لم أطلبه ، لم أكن أتصور أن ابلغ عمري هذا دون أن احتاج أحد ودون سؤال أحد ( لم يكن رحمه الله يسأل الناس حاجة قط ولا حتى أولاده ) ، حدثني وعيونه تتلألأ شوقاً لربه ، وقلبه الضعيف يخفق رغبة بلقاءة ، لم يكترث بمرضه أو بتدهور صحته فهو غنيمة كبيرة لتكفير خطاياه التي لا يمكن لمثلي أن يراها، حدثته عن مرضه وأنا أراه حفرة أخاف عليه أن يقع فيها و حدثني عن مرضه وهو يراه عتبة يرقاها لترتفع يده وتتمكن من طرق باب ربه الكريم ليفتح له باب رحمته، حدثته لإجراء عملية جراحية وقلبي يتقطع على صحته وضعف جسده وحدثني حديث من لا يكترث لجسده ويظنه ثوب كلما اهترء كلما قرب استبداله .


أصررت عليه كثيرا  ,,, وبعد إلحاحي ,,, أطرق  قليلا في لحظة صمت وقال لي : عبدالله ،  مم تخشى علي ؟  أبهرني سؤاله ولم أستطع أن أذكر الإجابة ففاجأني بقوله :هل هناك  أكثر من الموت ؟




Thursday, June 20, 2013

طريق الله الواسع

 الله هو الذي خلقنا وأمرنا ونهانا، وهو أعلم بسعادتنا أين تكون، نحن نحرص على سعادة دارنا الأولى، وهو يريد لنا السعادتين.
------------------------------------

عندما كنّا صغارا، كان الأهل يستخدمون بعض الصور ليغرسوها في مخيلتنا لإخافتنا من بعض الأمور التي تضرّنا والأمثلة كثيرة، لكننا كبرنا وصغرت تلك الصور، فلم يعد لها تأثير، لكن عقولنا محشوّة بكثير من الصور التي لا دخل لأهلنا بغرسها، فمنّا من يظن أن الدين حديقة غنّاء وشجر، وبعضنا يحسبه شباكا وحفرا، بعضنا يهرب من الالتزام الديني كذبابة دخلت بين أشجار نسجت عليها العناكب شباكها، لا تكاد تبتعد عن شبكة حتى تلاقي شجرة أخرى تماثلها، تدور تبحث عن مخرج، فأوامر الدين - كما يرونها - كثيرة لا يتسع وقتهم لتأديتها، ونواهيه متنوعة لا يمكن التعايش معها بسعادة، فلذلك هم يستبدلون كثيرا من الالتفاف حول أوامر الدين ونواهيه باختراقها جميعا، والتحوّل من ذبابة تعلق بالشباك إلى زنبور - دبّور - يخترقها ولا يبالي.
لكن تصوّرنا للدين بشباك العنكبوت - رغم كل سماحته - ليس وليد الصدفة، بل هو مجهود جبار يرجع الجهد الاكبر فيه للشيطان، فبحكم خبرته القديمة بالبشر، فهو يعرف كيف يرسم تلك الصورة في عقولنا ليخرجنا من فئة من قد عمل «عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التوبة: 102)، لنكون من الذين يقولون حين تتوفاهم الملائكة «رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين» (المنافقون: 10)، ولان الشيطان يعرف تماماً ما هو الفارق بينهما، لذلك غرس تلك الصورة التي في مخيلتنا لتكون أوامر الدين ونواهيه مثل شباك العنكبوت، وساهمت في تحوّلنا إلى زنابير تتعدى محميات الله من دون اكتراث.
ولأن الطريق الى الله واسع، فهو يسعنا بذنوبنا وتقصيرنا وزلاتنا وأهوائنا ووسوسة شياطيننا، نحملها معنا ونسير فيه مثقلين ــ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنا ــ ونحاول أن نتقدم، فالذي قد خلقنا هو ذاته الذي أمرنا ونهانا، وهو أعلم بسعادتنا أين تكون،، ولربما كان اختباره لنا بتضحيتنا له، فنحن نحرص على سعادة دارنا الأولى، وهو يريد لنا السعادتين، فنحن نقول «صراط الذين أنعمت عليهم»، ولا نقول صراط الذي أنعمت عليه، والفارق أن الطرق للرحمن كثيرة، كما أن الذين أنعم الله عليهم كثر، مثل أبواب جنته واسعة ومختلفة، وليست بابا واحدا، بل الطرق اليه واسعة، ولها هامشان، هامش على اليمين، به تكون النوافل والسير فيها الى الله أسرع وأقرب الى مرضاته، وهامش يسار يسعنا إن أخطأنا وزللنا ووقعنا في الحرام، فنحن لم نخرج عن الطريق، لأننا لم نزل نسير إلى الله، وكل ما يلزمنا هو أن نعوّض هامشنا اليساري من هامشنا اليميني، وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: «وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» (هود: 114). قال الرجل: يا رسُول الله ألي هذا؟ قال: لجميع أمتي كلِّهم.
فلا يلزمنا أن نكون ملائكة لنكون في الهامش اليميني، ولا يعني وطئنا للهامش اليساري أننا شياطين، ومن استطاع أن يلزم هامش اليمين، فإما بمعونة الله وهو ذو حظ عظيم، أو أنه أثقل على نفسه غافلاً أن الطريق إلى الله طويل.
والمؤمن لم يؤمر بما يشق عليه، بل أمر بما يستطيعه فقط، يقول صلى الله عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه: «ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم».. وقد أورد صحيح الجامع الصغير حديثاً حسناً يقول فيه صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ صاحبَ الشمالِ - الملك الذي يكتب السيئات - ليرفعُ القلمَ ستّ ساعاتٍ عن العبدِ المسلمِ المخطئِ، فإن ندِم واستغفر اللهَ منها ألقاها، وإلا كُتِبَتْ واحدةٌ».
عبدالله عبداللطيف الابراهيم
http://www.alqabas.com.kw/node/774682

Tuesday, April 16, 2013

خفايا التحايا



* أعاصير المشاعر و هيمنة عقولنا وطبيعتنا البشرية قد تجعل  السلام على الغير مهمّة شاقة ، ورفع اليد بالتحية معضلة

يعرفوني بالثقة العالية، لكني  شكاك حتى النخاع ، وشكي يبدأ في أفكاري ،  ففحصي لأفكاري  فكرة تلو الفكرة مستمر بلا كلل حتى أطمئن أن أفكاري حقائق صلبة ، وليست تصورات  التي أحرص أن أدفنها وهي حية ،ومن تلك الأفكار ما يصاحب إلقاء التحية ، فحين أحيي أصحابي وأقاربي ، أشعر بسعادة لمبادرتي لهم ، بينما أشعر بثقلٍ في نفسي مع بعضهم  حين  أرفع يدي لأحيي من  لا تربطني بهم علاقة شخصية  أحياناً وأحسُّ بريحٍ عاتية تجتاح مشاعري وتقلّب سكون أفكاري ، وطالما سألت نفسي لماذا يصبح السلام ثقيلاً  علي رغم محبتي للسلام ،و لم أكن أجد الإجابة إلى وقت قريب ، حتى اطلعت على تفسير علمي ساهم في فهمي للسبب، فلأننا نجهل حقيقة مشاعرنا مع من لا نعرفهم جيداً، لانجد سوى أسلوبهم الذي حيّونا به للاسترشاد على حقيقة مشاعرهم ، ولذا نقوم  بتقليد طريقتهم بالسلام علينا ونحاكي مشاعرهم تجاهنا ، فنحن في حالة غموض المشاعر نستعير طريقتهم التي يحييونا بها  ،و نتقمّص مشاعرهم التي يشعرون بها ، ولربّما كان سلامهم مشوباً بابتسامات المجاملة (الصفراء) ، ولربّما كان التلويح باليد يظهر منه ثقلٌ  في النفس  ، ولذا قد نستحضر تلك المشاعر  بطريقة تسيطر عليها عقولنا  اللا إرادية ، أو لربّما شقنا البهيمي .
فالبهائم لا تحيي بعضها البعض ، ولو راقبنا لوجدنا أن البهائم تسيطر عليها مشاعر العدائية حين تلاقي أبناء جنسها ، ولو أخذنا دجاجة غريبة وأدخلناها على الدجاج، لوجدناهم يتناوبون على نقرها، وعدت لنفسي أسألها: كم  أحتاج من الوقت لأتخلّص من بعض صفاتي البهيمية  لأصل إلى إلقاء التحية على من عرفت و من لم أعرف ؟
ورغم أن تلك المشاعر والأفكار لا تزال تزورني، إلا أن مداهماتي للقضاء عليها هي حملة شرسة ، أجبر فيها نفسي  البدء بالتحية وتقديم الإبتسامة ، إلا أنّ البعض يواضب على عدم رد تحيتي له  ، فأحرص  أن أدفن في مقبرة أفكاري تلك الأفكار التي تزورني حين عدم الرد ، وأجبر نفسي على أن لا أفكّر بأسبابهم التي منعتهم من الرد على تحيتي ،  فالكل مشغول والكل معذور كما يقول أبي دائماً ، إلا إني بذات الوقت أمتنع عن السلام عليهم رحمة لهم ، وإعفاءً لهم من مشقة ردهم لسلامٍ ثقيل على أنفسهم .
لكنني أشتاق للشقاوة السابقة ولأمرٍ في نفسي أخفيه  ، فأتأخر بالبدء بإلقاء التحية علي من أحييّهم عادة ،  يدفعني الفضول لمعرفة كيف سيكون سلامهم علي ، وأرقبهم من خلف نظارتي الداكنة ، لأرى من لازمت  البدء بالسلام عليه لسنين طويلة ، تصيبه الحمّى من رفع يده مبتدئاً ، ولربّما رفعها ،لكنه يشيح بوجهه في الجانب الآخر ، كي لا أرى علامات الامتعاض على وجهه ، فكأنه حين يرفع يده بالتحية ، يرفعها مستحضراً خسارته الكبيرة بالسلام علي ، أو مستشعراً  لكرامته التي أهدرت حين يتدنّس مقامه السامي بالنزول إلي ليبادرني التحية  ، هنا أهمس في نفسي" يا مسكين ، والله  لو علمت تكلّفك لبادرتك " .
لكن  دمث الخلق منهم  يبادرني ، تسبق ضحكته تحيته ، ويعتريني الخجل من شقاوتي ، و تعاتبني نفسي بعدها وأتذكّر أن تلك الشقاوة جعلتهم خيراً مني ،  فرغم كل مابي من شكوك ، إلا أنني موقن أن خيرنا هو الذي يبدأ بالسلام . 

عبدالله عبداللطيف الابراهيم

أبراب مخفية



حين تعصف رياح الشتاء الباردة  تجمعنا نارها الدافئة ، وحولها يحلو التسامر ، تمتعنا الكستناء حين تتفقّع ، وشاي يوضع يترقّد ،  وطفلٌ  يظن الجمرة ثمرة ، يركض نحوها  فيبعد ، لكني لا أبعد أطفالي ، فبمجرد أن يبلغ طفلي الحبي ، أمسك يده وأقربها من النار ، ثم أقول له ،أحْ أحْ ، وبعدها أضع يدي علي  إبريق الشاي الصيني الموضوع قرب النار لأتأكّد من حرارته ،وأضع يد طفلي الصغير عليه لتمسّه  حرارته ،  لا تزيد على لسعة الناموس أو النحلة ، لكنني بهذا أنقل ملفاً كاملاً  عن خطورة النّار إلى طفلي الصغير ، وبعدها أقرب يد طفلي ثانية  ، لأراه يسحبها من يدي ، فيطمئن له قلبي في غيابي ، وتنتهي فترة حمايتي له عن النار ، وأتفرّغ لتعليمه غيرها، وتبدأ حمايته لأخوانه وأقرانه ، فتراه يصرخ  لمن يقترب من النار ببراءة واهتمام  شديدين قائلاً  أحْ أحْ.

وكذلك هي الحياة ، بها الكثير من الطرق المختصرة تكفينا عناء تكرار أمور تربوية كثيرة ، وكم أتألم حين أرى بعض المربين من الآباء أو الأمهات يكررون كل يوم ذات الطقوس التربوية ، فهذا يطلب من إبنه أن لا يتخاصم مع  أقرانه ، لكن ابنه يعود للتخاصم ويعود أبوه لزجره ، لكنّ أباه لو علّمه مهارات التعامل مع أقرانه وأن من فوائد التسامح  والتغاضي عن زلاتهم هو محبتهم له وحرصهم على اللعب معه مجدداً ، أو أنه حدّثه أن التنازل عن الحق أنفع من التمسّك به  لوجد طريقاً مختصراً يخرج به من دوّامة الطقوس التربوية  ، وبعدها يتفرّغ أباه ليعلّمه مهارة جديدة   لكن الكثير لا يبحث عن هذه الطرق يمنعه وهمه وظنونه بعدم وجود طريق أقصر من طريقه ، يقول المفكّر الأيرلندي الحائز على جائزة نوبل في الأدب  برنارد شو ( ١٩٥٠ )  إن أكبر المشاكل هو الوهم الذي يمنعنا أن نرى المشكلة .
  لكنّ تلك الطرق موجودة ،  لا أفتؤ  أبحث عنها وإن لم أجدها، ولا أكلّ  من التفكير بها ، وجدتها في تعليمي صغاري كما وجدتها  في تسبيح ربي الباري ، فحين أسبّحه عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشة ومداد كلامته ثلاثاً ، تفوق تسبيحاتي  تسبيح  من أمضى ساعات الضحى يسبّح كما في حديث أم المؤمنين جويرية .


عبدالله عبداللطيف الإبراهيم 

Thursday, March 21, 2013

الرايخ الألماني




في القرن الماضي ، هجر الألمان الديمقراطية  وصوّتوا لجنديٍ  رغم علمهم أنه يقصي المخالفين ويحقد عليهم ، لأن عزف  قيثارته أطرب مشاعرهم لا عقولهم فما كانت أغنيته ؟ وماذا نتعلّم من وصوله للحكم ؟
--------------
في ١١ نوفمبر  ١٩١٨  إنتهت الحرب العالمية الأولى ، بتوقيع  اتفاقية فرساي بشروطها المهينة  للألمان ،  ودخلت ألمانيا في سنينها العجاف ، فعصف الفقر بهم لدفع فاتورة حربهم الأولى والتي تقدّر ب ٤٥٠  مليار يورو طبقا للقيمة الحالية للمبلغ ، وتحول الجندي الذي عرفت عنه الشجاعه في الحرب العالمية الأولى الى العمل السياسي ، واعتلى منصات الخطابة ليلهب الجماهير ، واستمر سنين طويلة يحمل مطرقة كراهيته الثقيلة باتهام اليهود والسلوفاك والاشتراكيين باسباب الدمار والفقر والفساد  ويضرب بها أجراس ثقافة ألمانية أصيلة ، غرسها أدبائهم ومفكروهم وأجدادهم ، بان جسّدوا لهم النجاح " نصرٌ في معركة"  والرجل الناجح "جندي شجاع" فكانت ثقافة الحرب المغروسة بهم مطيته التي اعتلاها بخطاباته وكانت ثقافتهم تربوا عليها أغنيةً رقصوا عليها صغارا ولا يملكون الا أن تطربهم كبارا ، رفع لهم هتلر إتفاقية الخزي منادياً لجيوشٍ  فرقتها الهزيمة بصيحات المجد والعزيمة ، فكان له ما أراد وحصل على ٤٣،٩ ٪ من الأصوات  ،  لم يستطع الرئيس الألماني الإستمرار في رفض تعيينه كمستشار - لشكوكه في قبول الحزب النازي مبادئ الديموقراطية - لكن هذا الجندي الذي كان يعمل في إيصال الرسائل إلى جبهات الجيش في الحرب العالمية الأولى تولى السلطة تحت الضغوط ووصل إلى أعلى هرم السلطة  ، ليُحرق البرلمان بعدها واتُّهم الحزب الشيوعي بتلك الجريمة و قتلت الديموقراطية وقُتل الكثير من خصومه السياسيين  واستمر الحزب يحكم ألمانيا من ١٩٣٣ حتى ١٩٤٥ و تحولت خيوط قيثارة ذلك الجندي إلى مشانق علّقت للمناوئين وظهر،  وجهه الحاقد بعد أن إنتهت صلاحية أقنعته التي جعلت الملايين تفسح له الطريق ، فبدأ بإكرام جيرانه بغزو بلادهم والسطو على مقدراتهم ، وقتل مثقفيهم كي لا تقوم لهم قائمة .
إن وصول هتلر لأعلى السلطة أمرٌ يتحمّل مسئوليته كل ألماني أطربته الطائفية وأنغام الإنتقام فكان مشاركاً أصيلاً  في تلك الجرائم و ساهم بصنع ديكتاتور بطش به قبل أن يبطش بأكثر من  50 مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية ،ولا يستثنى من تلك الجريمة كل  من تشكك في جدوى الشورى والديموقراطية و ساهم في إعتلاء ديكتاتور يقصي المخالفين رأس سلطتهم ، ولنعلم أن السياسيون وبعض الأحزاب الألمانية قد باعت بلدها ولم يمانعوا أن يكون هتلر في السلطة من أجل كرسي وزارة أو منصب ووجاهة  ،فهل هناك ما نتعلّمه من إفراد الألمان لجندي بكافة السلطات وترك العقول المفكّرة والعلماء الألمان الذين طوروا القنبلة النووية في أمريكا وأنهوا  بها الحرب!؟

نعم ، فلكل من تتراقص في أذنه خطابات السياسيون ، ليتذكر كيف تراقص الألمان على أنغام هتلر،  فلنحذر ممن يطربنا ولنسأل هل ينفعنا؟ والطبيب الناصح لا تعجبنا نصائحه  وقد تؤذينا على المدى القصير ، لكنّها تحافظ علينا ويقال قديما" إسمع لمن يبكيك لا من يضحكك"  ولنتعلّم أن التفرّد بالسلطة هو أشر الشرور ، فلنجعل مكاناً لمن يخالفنا ليصحّ جسد أمتنا ويتعافى ، وأن أشر من اعتلى السلطة من يحمل الحقد في قلبه ولا يتسامح فهو قادر على إنفاذ حقده ، فلنبحث عن تسامحه وإصغائه قبل أن نوصله .
لقد صوّتت ألمانيا الرايخ  Deutsches Reich كما يسميها النازيون في  حالةٍ  من الضعف والفقر والهزيمة والإنكسار ، واختاروا عازف قيثارة يغني لهم  أمجادهم التي حققوها في الرايخ الأول "الامبراطورية الرومانية"  (962-1806) والرايخ الثاني "الإمبراطورية الألمانية الحديثة (1871-1918)"   فوافقوا أن ينشئ لهم الرايخ الثالث لكن قراراتهم تلك قد جعلت إرتفاع مباني ألمانيا العالية تتساوى بارتفاع قبور أولادهم ال7 مليون ألماني الذين قتلوا في حربٍ لم يجدوا فيها نصرا ولا عزا.
عبد الله عبد اللطيف الإبراهيم
boslaeh@

Thursday, March 14, 2013

مسجد أوهامي



فيه ، أقف بخشوع ، لا تشاغلني الدنيا ، أدرك تكبيرة الإحرام في كلِّ صلاة ، وحينما  أنهي صلاتي ، أدور بجسدي صوب جاري المصلّي، لأسلّم عليه مبتسماً ، وأتعرّف عليه ، وقفت أصلّي يوماً فاصطكت قدم جاري  بقدمي ،و أحسست باهتمامه الشديد للإصطفاف ، لقد أراد أن يستقيم للقبلة بعد كل ركعة  ، فصافحته بعد الصلاة ، وسألته عن أحواله ، وسألته عن فعله ، فقال : أريد أن أستقبل القبلة بكل أركاني ، وأريد أن أكون جنديا في صف مستقيم ،أو كصخرة في جدارٍ متسق ، فقلت له ألم: يشاغلك ذلك عن الخشوع ، فأجاب ، بأريحية ، نعم لكنني أعود لخشوعي بعد أن تلتحم قدمك بقدمي لنكون مدفعاً قذيفته الإيمانية لو أطقلت أصابت الكعبة ، فنقوّم إعوجاج أقدامنا لتستقيم ، أعجبني قوله لكنني أردت أن أصحح خطأه فقلت : هل سألت نفسك : لِمَ لم يخلقنا الله مدافع ؟ قال ماذا تقصد؟ ، قلت له : ألم ترى جسدك ، هل تعلم به شيء مستقيم ؟ فأطرق يفكّر ، فقاطعته قائلا: لم  تحمّل نفسك فوق طاقتها ؟ ألا تظن أنك تركت الخشوع وهو لبّ الصلاة وانشغلت في الإعداد للصلاة الذي ينتهي بعد أن تشرع فيها ؟ فقال سأستفتي شيخي، فقلت له مبتسماً لا تنسى أن تستفت قلبك!.
وذات يوم دخلت ذلك المسجد ، فكبّر بالصلاة رجل لم يطفأ هاتفه ، فأخذ يرن ويوقفه ثم يرن أخرى وبعدها يرن ، وفي كل مرة يخرجه من جيبه ليوقف رنينه ، ولينظر لمعرفة المتصل ثم يدخله في جيبه ، وحين سلّم علي صافحته بحراره وكأني أعرفه ،  وبعد أن تعارفنا قلت له : أتقبل النصيحة ، قال نعم وبكل تأكيد ، قلت له : هل الصلاة من المناسك والشعائر ، قال : نعم ، قلت له: هل تريد أن تأخذ أجر تعظيم الصلاة في قلبك ؟ قال : كيف ؟ قلت : أسمعت قول الله " وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ"  لو عظمتها لأطفأت هاتفك ، فشكرني وانصرف
وفي ذات المسجد ، كبّرت بصلاة العشاء وكنت جنب الحائط ، فدخل المسجد مصلٍ مستعجل فأراد أن يدرك الركعة، فانحشر بيني وبين الحائط وغمرتني  رائحته   ، فسلمت عليه بعد الصلاة ، وسألته مبتسماً: هل ضاق بك المسجد لتصلّي في موضعٍ يضيق بقط ؟ فضحك وقال : لتكن أريحياً وتوسّع لأخيك المسلم ، ولا تحرمنا من أجر الصف الأوّل !  فقلت له: هل ظننت أنك ستؤذي من يصلي بجانبك برائحة دخّانك ، قال : ممكن ، نعم ، نعم ، ثم قطّب جبينه متحمساً ولكنه لن يمنعني  عن دخول المسجد ، فالصلاة أهم ، قلت له : أتعلم أن الأذى هو الحرام الذي يدخلك النار إن فعلته  أو الجنة إن منعته ؟ قال كيف ؟ قلت ألم تدخل إمرأة النار لأنها كانت تؤذي جيرانها؟ ألم تكن تقوم الليل وتصوم النهار ؟  أولست بجارك  ؟ ألم تعلم أن مومساً دخلت الجنة لأنها رفعت أذى العطش عن كلبها ؟ ،قال سأستفتي شيخي ، فقلت هل أخذت بقوله في الدخان ؟ فابتسم وانصرف
كل هذا حصل لي في مسجد أوهامي ، أما مسجد حقيقة أيامي ، فأنا زعيم المتخلفين عن تكبيرة الإحرام وعن الصلاة، تشغلني الدنيا عن المصافحة فأخرج أطارد مصالحي مستعجلاً ، إلا ماندر ، فإن آذاني من بجانبي أتصبّر حتى تنقضي دقائق الصلاة  ، فلربّما أجر صبري يعوّض تقصيري ، كما أنني أهرب من المناصحة فلربّما أتاني الشيطان فخلطت له نصيحة بتوبيخة  ، إلا ذات مساء ، فحين وقفت أصلي المغرب وقف بجانبي رجل كأنه أغتسل ولم يتنشّف ، يغمر ماء الوضوء رأسه إلى قدميه ، بلل المسجد وبللني ، آذتني تسبيحاته وتكبيراته العالية فهو يصدح بها ، فقلت في نفسي ، هذه المره سأجبر نفسي على إخباره بقول الله  "  ولا تجهر بصلاتك ولاتخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " فرفع يديه يدعو بعد الصلاة مباشرة اللهم إني أعوذ بك من الوسواس و الجنون ، فانصرفت بعد انتظار ، فلم يبق للنصيحة موضع !
عبدالله عبداللطيف الإبراهيم
@BoSlaeh

Monday, February 25, 2013

مائدة عشائي


حين نذهب الى المطعم، ألاطف من يخدمني وأمازحه، وعلى الرغم من أنني قد سئمت من التكرار، فان مفعول تلك المزحات السحري يجعلني أكررها، فحين يستأذنوني لرفع صحني الفارغ، أشير باصبعي مبتسما الى قطعة يتيمة من الخس في صحني الفارغ تماما وأطلب منه أن يجعلها في عبوة مخصصة لأخذها معي المنزل، وحين ينظر الى وجهي مستغرباً من طلبي السخيف، يشاهد ابتسامتي ويعلم ممازحتي فينفجر من الضحك، فلا يعقل أن يضعها في عبوة!
وعلى الرغم من أن دافعي هو شفقتي لكثرة تلقيهم الأوامر العسكرية وزجرهم حين التأخر في الطلبات، فان السبب الأكبر هو حصولي على خدمة أفضل وعناية أكبر، فكلمتا ملاطفة خيرٌ من أوقيتي ذهب تدفع كبقشيش.
رغم أن ما أفعله هو نتيجة تجربتي الشخصية، فان تفسير قبولهم لملاطفتي وترحيبهم بي في الزيارات اللاحقة، تفسّره نظرية تبادل المنافع الاجتماعية (Social Exchange Theory) انها تجيب عن التساؤل: لمَ نقبل تكوين علاقات اجتماعية مع البعض ونرفضها مع الآخرين؟ فهذه النظرية تفترض أن العلاقات لا تنشأ الا اذا كان العائد من تلك العلاقة أكبر، وبالتالي فان العائد على أي علاقة اجتماعية بيني وبين من يخدمني هو عائد أكبر بالنسبة له ولذا لا يرفضها، ولكن التساؤل المنطقي هو: كيف يمكن لغيرنا أن ينظروا الى علاقتنا على أن عائدها مرتفع؟
ان عقولنا تلتقط الكثير من الاشارات من الآخرين (علم النفس الاجتماعي)، وهذه الاشارات تشمل أقوالهم وأفعالهم وطريقة لبسهم، والكثير من الاشارات يتم التقاطها والتعامل معها بلا وعي في العقل الباطن، وتعطى وزنا نسبيا في عقولنا، فعلى سبيل المثال: حين نقابل شخصا يتحدّث عن مكارم الأخلاق، فبكل تأكيد اننا سنصنف هذا الشخص ونقول انه شخص يسعى للخير، لكن تأكيد أفعاله على ما يقول سيكون هو ذا الوزن الأعلى لنقتنع، ويكون حديثه ذا تأثير بسيط وبانتظار تأكيد أفعاله، وهذه طبيعة عمل جزء من عقولنا التي تعمل في الخلفية وتهيمن على الموافقة على العلاقات الاجتماعية، ولربما كانت اشارات العقل الملتقطة تتعارض، وبالتالي سترفض عقولنا العلاقة لأنها مشوشة أو غير واضحة المعالم، ولا ننسى أن طبيعة عقل المتلقّي (من نرغب في انشاء علاقة صداقة معه) تساهم في تحديد قيمة العلاقة الاجتماعية طبقاً لاهتماماته وما سبق تعريفه لعقله على أنه مهم، ففي مثالي السابق، فالمستمع لمكارم الأخلاق قد يكون مهتما بالحصول على الأموال دون أي اكتراث بأي الطرق حصل عليها، ومثل هذا الشخص لن يطربه أي حديث عن الأخلاق ولن يهتم بمتحدّثه لكنه سيهتم جداً لو تحدّث عن ربحٍ سريع تحقق، فتراه يتقرب اليه لظنه بأن عائد التقرب اليه كبير.
وعلى الرغم من أن علاقتي بمن يخدمني بالمطعم عائدها المتصوّر يعد كبيراً لمن يخدمني، الا ان عائدها لي أيضاً مرتفع، فطالماً حصلت على معاملة أفضل وخصومات، والعديد العديد من الأطباق المجانية المزينة بابتساماتهم الصادقة.
عبدالله عبداللطيف الإبراهيم
boslaeh@