Monday, May 28, 2012

الدّرس الكبير

منذ أن كان خالداً طفل صغير ، ظهرت عليه علامات النبوغ و النباهة والذكاء ، وأصبح  يقدّر المال جدا ، وقد أعجبه بريقه فعمل بجد واجتهاد ، وتعرّف الى بعض الساسة ، فتفاجئ بسطوة السلطة و سحر النفوذ ، فتقرّب ممن يظنهم كذلك ، وقويت علاقته بهم ، ولأن مزيج السلطة والتجارة غالبا ما ينجح ، فقد توسّع نشاطه وتعاظمت أرباحه .
ولأنجاز أعماله خارج البلاد ، حجز مقعداً في مقدمة الطائرة ، فعلى أرتفاع ٣٠ الف قدم ، حيث يندر الأوكسجين ، وتنخفض الحرارة الى ٥٠ درجة تحت الصفر ، مسح خالد يديه بالفوط الساخنة ، لتبدأ عربات الطعام زيارتها إليه ، تتقدمهم عربة الجبن المجلوب من الريف الفرنسي والزبدة الدنماركية  ، ليلحقهم الزيتون الاسود الاسباني ، والمشروبات المصاحبة ، لكنه يفضل زجاجة الماء من جبال الألب ، وبعدأن  فتحت شهيته للطعام ، سيقت له اللحوم الهولندية ، و سمك السلمون المدخّن  من نهر الدانوب  ، إلا أنه قد إختار لحم  الضأن السويدي المقدد ، فأكثرمنه و شعر بالامتلاء ورغب بالنوم ، ولما أحس بالنعاس داهمته عربة الحلويات ، فجحظت عيناه ، ورغم ثقل بطنه أشار على إستحياء بإصبعه إلى قطعة صغيرة من الحلوى غمرتها الشيكولا الساخنة ، فمدّ يساره ليستلم صحن الحلوى، لكن مضيفته تأخرت عليه بعض الشيئ لتتبع تعليماتها ، فأضافت بعضا من اللوز وقطعة صغيرة من الايس كريم محلاة بطعم الفانيليا ، ولأن النوم قد غالبه ، إلتهمهم بلقمة واحده وتمدد في الكرسي ، و شرع يتذكر لحظات تمرير بطاقته الائتمانية  في جهاز الدفع ، حيث لم تبارحه ذكرى إنخلاع فؤاده بعد ورود إشعار الخصم من حسابه ، فقال بعدها في نفسه  ،إن ما دفعته ثمناً لهذا الكرسي ، قد يفوق ما يقدّم لجميع الركاب من طعام ، ولانه هذه الفكرة أزعجته،  تناساها لينقض عليه النوم ، فانخفضت الاصوات ، وطفأت الانوار ، لكن جاره لم يتوقف يحتسي نبيذه ولم يذق سوى المكسرات ، وكلما فرَغَ كأسه ضرب الجرس وأُعيد ملئه ، وبعد دقائق ،إرتعشت  الطائرة كعصفورٍ خرج من الماء ، وأضيئت الأنوار ، وظهرت علامة ربط الاحزمة ، فعدل كرسيه  وانتظر بترقب ، رجفت الطائرة مرةً أخرى وأخرى وأخرى ، فعلم أنها مطبات هوائية قوية ، وأصبحت الطائرة  مثل قشة في عاصفة ، وتدلت الأقنعة ، وتذكرخالداً فيلماً  شاهده من أيام ، يُشرح فيه أسباب سقوط طائرة نتج عنه ٢٢٠ قتيل ، فتملكه الخوف  ، واستفسر من المضيفة ، وهو يعلم أنها لا تعلم ، لكن هذا كل ما يستطيعه ، وبعدها إستذكر أن رصيدة البنكي في وجهته لم يخبر به أحد ، وأن كل ما عاناه سيكون لقمة سائغة لهم ، لا يدري ما يفعل ، يسمع أصوات الهلع ، وصراخ الاطفال من خلفه ، نظر إلى من بجانبه فإذا به قد أفرط في الشراب ، وبدأ يغني ، أعلن قبطان الطائرة أنها مطبات هوائية  وسيخبرهم بالجديد في حينه ، إقتلع هاتف الطائرة ومرر بطاقته ، واتصل بصديقه الوزير ، قال أنا في الطائرة وأريد أن أعرف الخبر ، رد عليه صديقه ، أعطني ساعة لأحقق في الموضوع ، رد قائلا: ومن أين آتيك بساعة قلبي سيتوقف ! ، قال له الوزير: أنا سأتصل بك حين أحصل على المعلومة ، ردغاضبا : أتسخر مني ، أعتذر الوزير مقهقها ، أعذرني والله لم أقصد السخرية ، وأغلق الخط ، إنخفضت الطائره في مطب هوائي إنخفاضٍ طويل مريع ، تعلق قلبه في حنجرته ، حينها إلتفت جاره إليه وسأل خالد:  ما الامر ؟ قال خالد: مطبات هوائية ، قال ، أنا كثير السفر ، هذه ليست مطبات ، هذه سقطات هوائية  ، إنه أمر كبير ياسيدي ، توسعت مقلتا عينيه ، حين رأى علامات الخوف في عيون من لا يمكن له أن يخاف لغياب عقله  ، عادت المطبات القوية ثانية ، نظر من النافذة وأذا الارض قد بانت من بعيد ، فقد إنخفضوا كثيرا ، عاود الاتصال بصديقه ، فرد عليه ، سيدي سأصدقك الخبر ، أنتم عالقون في عاصفة لا يستطيع القبطان أن يغير إتجاهه لانكم ستتحطمون في محاولة الخروج منها ، عليكم الانتظار نصف ساعة أخرى ، الله معكم ، وبانتهاء المكالمة انقلع قلبه بانخفاض جديد ، يسمع فيه دوي محركات الطائرة التي تعمل في إنعدام الهواء بلا فائدة ، لكن دوي نبضات قلبه كان أقوى، غسل جار خالد وجهه ويديه ، ثم رفع يديه يدعوا ، لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، أستغفر الله ، أستغفر الله ، أستغفر الله ، أشهد أن لا إلاه إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، ثم يعيد ويكرر ، ردد خالد الشهادتين ، شرع يستغفر ، ثم ينظر الى جاره ما يفعل ويقلده ، توقف جاره عن الاستغفار قائلا : ربي أعلم تقصيري في حقك وأعلم ذنوبي التي ملئت السماء والارض ، أسألك بكفالتي للايتام أن تنجيني من هذه ، تعجّب خالد كيف يخاطب جاره ربه ، لكنه قال في نفسه ، لو أنني أحسنت الى أحد وطلبت منه ردّ الجميل لما إمتنع  ومن المنطق أن أسأل الله بأعمالي الصالحة أن ينجيني ، تذكّر خالد أعماله الطيبة ، فلم يتذكّر منها شيئ ، حاول وحاول وحاول ولم يجد ، رفع خالد يديه الى السماء وقال : اللهم إستجب لجاري ، وحين وصلت الطائرة الى وجهتها آمنه ، طلب جاره كأسين ، وقال لخالد إحتفل معي بسلامة الوصول ، إعتذر خالد ولكن جاره أصر ، جامله بشرب رشفة قائلا في نفسه "لقد تعلمت الدرس الكبير ، لن أضع مالاً خارج بلدي " .




عبدالله عبداللطيف الابراهيم

1 comment: